ثمة لحظة سياسية في لبنان يصبح فيها الصمت أكثر دلالة من الكلام، وتصبح حركة الميدان أبلغ من البيانات، خصوصاً حين تأتي الضربات في نقاط تحمل قيمة عسكرية وسياسية في آن واحد، ومن هنا تبدو التطورات الأخيرة في الجنوب أمام مشهد يتجاوز حدود الغارات وحدها، مع عودة الحديث عن احتمال اتساع المواجهة وارتباطها مباشرة بمصير سلاح حزب الله ومسار التفاوض مع الدولة اللبنانية، ويقول مصدر سياسي لموقع الحقيقة إن احتمال عودة الحرب يبقى قائماً بقوة، خصوصاً بعد العمليات التي شهدتها مناطق الجنوب، وفي مقدمها تلة علي الطاهر، في وقت تبدو إسرائيل متمسكة بانتزاع سلاح حزب الله قبل الوصول إلى أي تفاهم نهائي مع الدولة اللبنانية، الأمر الذي يجعل كل ضربة جزءاً من ضغط عسكري وسياسي متواصل.
ويضيف المصدر أن ملف الأنفاق يدخل في صلب هذا المسار، سواء تلك الموجودة ضمن المنطقة التي تصفها إسرائيل بالصفراء أو مواقع أخرى يجري التعامل معها على الأرض، إذ إن تفجيرها يأتي ضمن عملية أوسع مرتبطة بتفكيك البنية العسكرية للحزب، فيما تكتسب الإشارة الإيرانية الأخيرة دلالة خاصة، مع كلام رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف عن استمرار التواصل مع المقاومين في الصفوف الأمامية، وهي إشارة يقرأها المصدر السياسي بوصفها مؤشراً إلى وجود تماس إيراني- إسرائيلي في مساحة علي الطاهر، حيث تتقاطع الرسائل العسكرية مع الحسابات الإقليمية.
وفي المقابل، يقول المصدر عينه إن المفاجأة الأبرز وصلت إلى بيروت من واشنطن، بعدما حمل الموقف الأميركي إشارات واضحة حول واجبات الدولة اللبنانية في ملف سلاح حزب الله، وهو موقف فاجأ الرؤساء الثلاثة وفق القراءة السياسية المتداولة، خصوصاً في توقيت شديد الحساسية، إذ تظهر الإدارة الأميركية استعداداً لمنح إسرائيل هامشاً واسعاً في الميدان، ضمن حدود وضعتها واشنطن بعد اتفاق الإطار، فيما تجد السلطة اللبنانية نفسها أمام استحقاق يتطلب قراراً يتجاوز البيانات السياسية والإدانة.
ويشير إلى أن النقاش اللبناني دخل في دائرة من الصيغ المتعددة حول المناطق العسكرية وشروط التفاوض، مرة عبر الحديث عن ضرورة انسحاب إسرائيل قبل الانتقال إلى سلاح حزب الله، ومرة عبر ربط الخطوات الأمنية بالاتفاق النهائي، وهي مقاربات تؤجل السؤال الأصعب.. أي كيف تستطيع الدولة اللبنانية التعامل مع ميزان قوى شديد الاختلال، وكيف تنتقل من موقع المراقب إلى موقع صاحب القرار، خصوصاً كون اتفاق الإطار، إذا أريد له أن يتحول إلى مسار قابل للتنفيذ يفترض قراءة واقعية للقدرة اللبنانية على فرض الترتيب الذي تريده بيروت.
ويقول المصدر إن اتفاقاً متوازناً من الناحية النظرية يعني انسحاب القوات الإسرائيلية في مقابل التزام لبناني واضح في ملف السلاح، غير أن ميزان القوى على الأرض يفرض حسابات مختلفة، وهنا تحديداً تقع مسؤولية الرؤساء الثلاثة، فالتنديد بالضربات ضروري، والإدانة السياسية لأي استهداف للمدنيين تبقى واجباً، خصوصاً بعد سقوط ضحايا في دير الزهراني وأنصار، غير أن السؤال الذي ينبغي أن يطرح في اليوم التالي لكل بيان إدانة هو الخطوة التي تستطيع الدولة تنفيذها فعلياً لحماية اللبنانيين ومنع تكرار المشهد.
المشكلة وفق المصدر ليست في إصدار بيان جديد، وإنما في قدرة الدولة على إنتاج خطوة سياسية وأمنية تحول الضغط الدولي والإسرائيلي إلى مسار تفاوضي قابل للحياة فكل يوم يمر من دون جواب عملي يترك الجنوب تحت سقف النار، ويضع الرؤساء الثلاثة أمام استحقاق لا يستطيع أحد منهم تأجيله إلى أجل غير محدد، لأن المرحلة الحالية تحمل عنواناً واحداً، السلاح في مواجهة الدولة، وإسرائيل في مواجهة الحزب، ولبنان في قلب المواجهة بينهما، وكل تأخير في حسم اتجاه المرحلة قد يجعل الميدان هو الطرف الذي يقرر عن الجميع.














