في قانون الإعلام الجديد، تبدو المادة 104 وكأنها دخلت سريعاً إلى قلب النقاش، فبين الحراك النقابي والموقف الصادر عن وزير الإعلام، تتجه الأنظار إلى مصير نص يفرض عقوبة بالسجن قد تصل إلى ثلاث سنوات على الإعلاميين في حال اختلاق أضاليل أو نشر أخبار كاذبة، وهي عقوبة تفتح نقاشاً واسعاً حول حدود سلطة المشرّع حين تتصل المسألة بحرية الصحافة والرأي.
ووفق الخبير القانوني والدستوري سعيد مالك، فإن هذه المادة تثير إشكالية دستورية واضحة، لكونها تتعارض، مع المبادئ الدستورية العامة وفي مقدمها المادة 13 من الدستور اللبناني التي تحمي حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة وحرية الصحافة والاجتماع والتأليف ضمن حدود القانون.
كما يرى مالك عبر موقع "الحقيقة" أنها تصطدم بمبدأ الضمانات القانونية وبالحقوق المكتسبة والأمن التشريعي والقانوني، فضلاً عن مبدأ التناسب الذي يفرض أن تكون الوسيلة القانونية منسجمة مع الغاية التي يريد المشرّع الوصول إليها، ومن هنا يذهب مالك إلى أن صلاحية التشريع الممنوحة للمجلس النيابي تبقى محكومة بالدستور وبالمبادئ الدستورية التي ترسم حدود هذه الصلاحية، وبالتالي لا يستطيع المشرّع ممارسة سلطته بمعزل عن تلك الضوابط، خصوصاً حين تكون النتيجة مرتبطة بحرية الصحافة والعمل الإعلامي.
وفي هذا السياق، يرى مالك أن الخطوة الأولى يفترض أن تأتي من رئيس الجمهورية جوزاف عون عبر رد القانون استناداً إلى الصلاحية المنصوص عليها في المادة 57 من الدستور، وفي حال لم يحصل ذلك، يطرح أمام عشرة نواب أو أكثر خيار التقدم بطعن أمام المجلس الدستوري في المادة 104 تحديداً، مستندين إلى سوابق قضائية سبق للمجلس الدستوري أن تعامل فيها مع مسائل مرتبطة بهذه المبادئ.
ويشير مالك إلى القرار رقم 3 على 2000 وصولاً إلى القرار رقم 15 على 2025، باعتبارهما من أبرز القرارات التي يمكن الاستناد إليها في قراءة المسار الدستوري لهذه القضية، وهنا تصبح المادة 104 أمام اختبار يتجاوز حدود النص القانوني نفسه، لأن القضية ترتبط بالسؤال الأوسع حول الكيفية التي يمكن فيها تنظيم العمل الإعلامي من دون تحويل العقوبة إلى قيد يضيّق مساحة الحرية التي يكفلها الدستور، وفي ظل هذا الجدل، يبدو أن قانون الإعلام يدخل مرحلة جديدة من النقاش،عنوانها حدود التشريع، وحماية الصحافة ودور رئاسة الجمهورية والمجلس الدستوري في حسم مصير مادة باتت في صدارة المشهد القانوني والإعلامي.














