تشهد الجبهة اللبنانية تصعيداً ميدانياً متسارعاً في ظل الغارات الإسرائيلية المكثفة التي استهدفت مناطق في الجنوب منذ ساعات الفجر، ما أعاد طرح التساؤلات حول طبيعة المرحلة الحالية: هل ما يجري يندرج ضمن ردود محدودة، أم أنه يشير إلى مسار مواجهة أوسع وأكثر استدامة.
وفي قراءة خاصة لـ«الحقيقة»، يرى الخبير العسكري العميد المتقاعد جوزيف الأسمر أن التطورات الراهنة تتجاوز مفهوم «الردود المحدودة»، معتبراً أن غياب أفق سياسي واضح يجعل من الصعب ضبط مستوى التصعيد أو احتواؤه ضمن سقف معين.
مسار تصعيدي مفتوح وتداخل الميدان بالقرار السياسي
يقول الأسمر إن المواجهة تسير ضمن مسار تصعيدي متدرّج، مع احتمال انتقالها إلى مستويات أعلى من العنف والتكرار، في ظل غياب أي مسار سياسي فعّال قادر على ضبط الإيقاع الميداني.
ويضيف أن هذا الواقع يدفع الطرفين إلى الاعتماد على الميدان كمساحة رئيسية لإدارة الصراع، حيث يبدو خيار الحسم العسكري حاضراً لدى إسرائيل، مقابل تمسّك حزب الله بخيار المواجهة. ويؤدي هذا التوازن، بحسب الأسمر، إلى تقليص فرص التهدئة ورفع كلفة أي محاولة لخفض التصعيد.
ويربط الأسمر بين قرار حزب الله والاستراتيجية الإيرانية، معتبراً أن هذا الارتباط ينعكس على آلية اتخاذ القرار وتوقيت التحركات، ما يبقي احتمالات الانزلاق نحو مستويات أعلى من المواجهة قائمة في ظل غياب تسوية سياسية واضحة تعالج ملف السلاح ودور الدولة.
رواية «الخرق» وسياق تبرير العمليات
وفي ما يتعلق بالاتهامات الإسرائيلية حول خرق اتفاق من جانب حزب الله، مقابل نفي الحزب، يشير الأسمر إلى أن هذه الروايات تبقى جزءاً من سياق سياسي وعسكري أوسع، تستخدمه إسرائيل لتبرير استمرار عملياتها وتوسيع نطاقها.
ويعتبر أن جوهر الإشكالية لا يرتبط بحادثة ميدانية محددة، بل بالملفات العالقة في المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها مسألة سلاح حزب الله ودور الدولة اللبنانية في إدارة الملف الأمني، وهو ما يجعل أي حادثة قابلة للتوظيف في سياق التصعيد القائم.
تلال «علي الطاهر» وأبعادها العملياتية
ميدانياً، يلفت الأسمر إلى أهمية تلال «علي الطاهر»، مشيراً إلى أنها تتجاوز كونها موقعاً جغرافياً، وترتبط، وفق تقديره، ببنية عسكرية تشمل أنفاقاً ومنظومات ميدانية، ما يمنحها قيمة عملياتية في اتجاه القطاع الشرقي والبقاع.
ويؤكد أن أي تطور في هذه المنطقة ينعكس على المشهد العسكري العام في الجنوب، خصوصاً في ما يتعلق بتوازن الانتشار والقدرات الميدانية، ما يجعلها إحدى النقاط الحساسة في مسار التصعيد.
بين مسارين: الدولة أو المواجهة المفتوحة
في استشرافه للمرحلة المقبلة، يضع الأسمر أمام المشهد خيارين أساسيين: الأول يتمثل في تسليم السلاح للدولة اللبنانية وفق الأطر الدستورية والقانونية، والثاني استمرار المواجهة العسكرية المفتوحة من دون سقف زمني أو ميداني واضح.
ويخلص إلى أن ما يجري لا يمكن التعامل معه كجولة عابرة، بل كمرحلة تتسم بتعقيد متزايد، حيث يصبح الميدان العامل الأكثر تأثيراً في رسم اتجاهات التطورات.
وفي ختام قراءته لـ«الحقيقة»، يحذّر الأسمر من أن المرحلة المقبلة قد تحمل مزيداً من التصعيد، في ظل انتقال الجبهة من منطق الاشتباك المحدود إلى مواجهة أكثر اتساعاً، ما يطرح السؤال الأساسي: هل يمكن احتواء التصعيد، أم أن المنطقة تتجه نحو مواجهة مفتوحة بلا سقف؟













