كتبت نجوى المكاري في موقع الحقيقة.نت:
إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان… هل هو انتصار للإنسانية أم تخلٍّ عن حق الضحية؟
قد يبدو ما سأقوله اليوم غريبًا، خصوصًا أنني شخص منفتح، أؤمن بالتطوّر، وأواكب التحوّلات التي يشهدها العالم، وأؤمن بأن الدولة يجب أن تتقدّم دائمًا باتجاه مزيد من الإنسانية والعدالة.
وموقفي هذا لا علاقة له بالدين، بل على العكس، لديّ الكثير من التحفّظات على تفسيرات دينية لا أجد لها مبرّرًا، ولا أؤمن بأن الدين يجب أن يكون المرجع في كل قرار تشريعي.
لكن إلغاء عقوبة الإعدام في بلد مثل لبنان، حيث تزداد الجرائم وتصبح أكثر وحشية، وحيث لا يزال القانون عاجزًا، في كثير من الأحيان، عن أن يكون رادعًا حقيقيًا، ليس بالنسبة إليّ بالضرورة خطوة نحو دولة أكثر إنسانية.
نعم، العالم تطوّر.
ونعم، القتل ليس وسيلة مقبولة لتحقيق العدالة.
لكن السؤال الذي لا أستطيع تجاهله هو: هل وصلنا فعلًا إلى مرحلة أصبح فيها القانون رادعًا بما يكفي حتى نلغي أقصى عقوبة يمكن أن تُفرض على من يرتكب أبشع الجرائم؟
نحن في بلد لا يشعر فيه كثيرون بأن القانون يحميهم.
بلد تتأخر فيه العدالة، وقد يفلت المجرم من العقاب، بينما تبقى الضحية وعائلتها وحدهما في مواجهة الألم.
والجريمة؟ لا تختفي.
والقتل؟ لا يتراجع.
وفي بعض الحالات، لم يعد الأمر مجرّد قتل، بل قتل وتعذيب وتمثيل بالجثث وإمعان في الوحشية.
أنا ضد القتل، وضد العنف، وضد أن تتحوّل الدولة إلى قاتل.
لكنني أيضًا لا أستطيع أن أتجاهل سؤالًا آخر: إذا كانت الدولة عاجزة عن حماية الناس، وعاجزة عن ردع المجرم، وعاجزة عن ضمان عدالة سريعة وفعّالة، فهل إلغاء العقوبة القصوى هو فعلًا الأولوية التي يجب أن نحتفل بها؟
ربما يكون موقفي قاسيًا.
وربما يختلف معي كثيرون.
لكنني لا أستطيع أن أرى دولة ما زالت عاجزة عن حماية الضحية، ولا تملك نظامًا قضائيًا يضمن الردع والعدالة، ثم تلغي العقوبة القصوى لأبشع الجرائم، وأقول إننا بذلك نتقدّم.
التقدّم ليس فقط أن نلغي عقوبة.
التقدّم هو أن نبني دولة يصبح فيها القانون رادعًا، والعدالة سريعة، والضحية محمية، والمجرم متأكدًا من أنه لن يفلت.
وعندما نصل إلى تلك المرحلة، سأكون أول من يؤمن بأن عقوبة الإعدام لم تعد ضرورية.
أما اليوم، وفي لبنان تحديدًا، فلا أستطيع أن أرى في إلغائها انتصارًا للإنسانية قبل أن نضمن للإنسان حقه الأساسي: أن يكون آمنًا، وأن يحصل على العدالة.
أما المفارقة فكيف نحتفل بإلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، وفي الوقت نفسه نحتفل بقرار إعدام بشار الأسد؟
بشار الأسد مجرم ويستحق أقصى عقوبة على الجرائم التي ارتكبها، لكن بشار ليس آخر مجرم، ولن يكون آخر من يرتكب جرائم بهذه الوحشية.
إذا كان الإعدام مرفوضًا من حيث المبدأ، فلماذا يصبح مقبولًا عندما يكون المجرم بشار الأسد؟
إما أن نرفض الإعدام كمبدأ، أو أن نعترف بأن هناك جرائم يستحق مرتكبوها أقصى العقوبات. أما أن نغيّر موقفنا بحسب اسم المجرم، فهذه ليست عدالة.












