خاص "للحقيقة.نت"
إيلي محفوض:"لا توجد في القانون اللبناني رخصة اسمها متفجرات للمقاومة"... وحزب الله ليس فوق المحاسبة!
في تطور يطرح علامات استفهام جدية حول استقلالية القضاء وهيبة الدولة، برزت زيارة وفد من حزب الله، ضمّ حسين العبدالله والنائب حسين الحاج حسن والمحامي حسين حمود، إلى مكتب مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج، على خلفية قضية متفجرات ضهر البيدر. وبحسب المعطيات المتداولة، أبلغ الوفد القاضي أن المتفجرات مخصصة لمقاومة إسرائيل، وأن أي إدانة في هذا الملف ستكون بمثابة "قطع يد المقاومة"، في موقف يضع القضاء أمام مواجهة مباشرة مع محاولة فرض توصيف سياسي مسبق على قضية أمنية وقضائية.
وفي حديث خاص لـ"للحقيقة.نت"، اعتبر رئيس حزب حركة التغيير، المحامي إيلي محفوض، أن ما حصل يتجاوز حدود الدفاع عن أشخاص أو الاعتراض على إجراء قضائي، ليصل إلى محاولة فرض منطق سياسي على سلطة قضائية مستقلة، مشدداً على أنه لا يوجد في الدستور اللبناني ولا في أي نص قانوني ما يمنح حزباً سياسياً صفة قضائية تحت مسمى "المقاومة"، أو يتيح له مخاطبة القضاء باعتباره سلطة موازية أو مرجعية فوق القانون.
ورأى محفوض أن من يريد الدفاع عن نفسه عليه أن يتقدم بصفته القانونية، ومن يعترض على إجراء قضائي عليه سلوك الطرق القانونية المتاحة، أما أن يأتي وفد حزبي ليحدد للمحكمة طبيعة القضية وحدود ما يجوز ملاحقته، فذلك يشكل محاولة لفرض منطق سياسي على القضاء.
ولفت إلى أن الأخطر من ذلك أن الحزب لا يكتفي بالدفاع عن المتهمين، بل يتصرف وكأن له الحق في استرداد المضبوطات وتحديد مشروعيتها، وكأن الاعتراف بملكية المتفجرات يمنحه حق التصرف بها خارج سلطة الدولة.
وأكد محفوض أن "لا توجد في لبنان دولة داخل الدولة، ولا محكمة داخل المحكمة، ولا شرعية مسلحة فوق الشرعية الدستورية"، مشدداً على أن الانتساب إلى حزب الله أو الانتماء إلى ما يسميه الحزب المقاومة لا يمنح أي جهة حصانة لا وجود لها في القانون اللبناني.
القضاء ليس لجنة تفاوض لدى حزب الله
وفي قراءته لتداعيات هذه الزيارة على هيبة المؤسسات، اعتبر محفوض أن الدولة تفقد جوهر وجودها عندما يصبح القضاء خاضعاً لسقف الموافقات الحزبية، مشيراً إلى أن المشكلة التي يعاني منها لبنان منذ سنوات تتمثل في وجود من يريد للدولة أن تمارس صلاحياتها في القضايا العادية، وأن تستأذن عندما تصل إلى الملفات التي تمس نفوذه وسلاحه وتنظيمه الأمني.
وشدد على أن القضاء ليس لجنة تفاوض بين الأحزاب، ولا هيئة استشارية لدى حزب الله، ولا جهة تنتظر الضوء الأخضر من أي قيادة سياسية أو عسكرية. فإذا كان نقل المتفجرات يشكل جريمة، فلا يستطيع أي حزب تحويله إلى عمل مشروع بمجرد إطلاق تسمية "مقاومة" عليه، كما لا يحق لأي جهة رسم حدود التحقيق مسبقاً أو وضع خطوط حمراء أمام القرار القضائي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشبهات تمس أمن الدولة وسلامة المواطنين.
وأضاف أن هيبة الدولة تُقاس تحديداً بقدرتها على تطبيق القانون عندما يكون الطرف المعني قوياً ومسلحاً، لا عندما يكون عاجزاً عن الاعتراض.
هل يجرؤ القضاء على اتخاذ قرار لا يرضي الحزب؟
وفي موقف يضع استقلالية القضاء أمام اختبار مباشر، اعتبر محفوض أن السؤال عما إذا كان القضاء اللبناني يجرؤ على اتخاذ قرار لا يرضي حزب الله لم يعد استفزازاً سياسياً، بل أصبح امتحاناً فعلياً لاستقلال القضاء.
وقال إنه لا يريد قضاءً شجاعاً في مواجهة مواطن ضعيف فقط، بل قضاءً يمتلك الجرأة نفسها عندما تكون القضية متصلة بحزب الله أو بأي قوة سياسية أو أمنية أخرى.
وأكد أن القاضي لا يحتاج إلى إذن من حزب، ولا إلى ضمانة من زعيم، ولا إلى تسوية سياسية كي يصدر قراره، بل يحتاج إلى حماية الدولة واستقلال مؤسسته وتنفيذ أحكامه من قبل الأجهزة المختصة.
ووجّه محفوض رسالة إلى القضاة، معتبراً أن مسؤوليتهم اليوم أكبر من ملف المتفجرات، لأنهم أمام قضية تتعلق بمفهوم العدالة نفسه: هل القانون واحد على الجميع، أم أن هناك مواطنين وتنظيمات يخضعون له، في مقابل جهات تقرر متى تخضع ومتى تستثني نفسها منه؟
وشدد على أنه لا يطالب القضاء بإدانة أحد مسبقاً، بل بألا يخشى تبرئة أي شخص إذا لم تثبت مسؤوليته، وألا يتردد في إدانته إذا ثبتت مسؤوليته، معتبراً أن هذه هي العدالة الحقيقية، لا العدالة التي تتوقف عند أبواب النفوذ الحزبي.
شعار المقاومة ليس رخصة لحيازة المتفجرات
وفي ما يتعلق بالإجراءات المطلوبة لوضع حد للأنشطة العسكرية والأمنية الخارجة عن سلطة الدولة، رأى محفوض أن النقاش يجب أن يوضع في إطاره الصحيح، إذ لا يجوز أن يتحول شعار مقاومة إسرائيل إلى رخصة مفتوحة لحيازة المتفجرات ونقلها وتخزينها وتشغيلها خارج المؤسسات الشرعية.
وأشار إلى أنه إذا كانت الحكومة قد اتخذت قراراً بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله واعتبارها خارجة عن القانون، فإن المطلوب لا يقتصر على إعلان القرار، بل يستوجب الانتقال إلى التنفيذ القانوني والأمني والقضائي الكامل.
وحدد محفوض مجموعة من الإجراءات التي يعتبرها ضرورية، تبدأ باستكمال التحقيقات وتحديد جميع المتورطين، من أصحاب القرار إلى الممولين والناقلين والمخزنين والمنفذين، وعدم الاكتفاء بالأشخاص الذين ضُبطوا أثناء النقل.
كما دعا إلى إصدار مذكرات التوقيف اللازمة بحق كل من تتوافر أدلة على تورطه، وتنفيذها من دون استثناء أو انتقائية، وكشف مصادر المتفجرات ومستودعاتها وشبكات نقلها والجهات التي تتولى تأمينها وتمويلها.
وشدد كذلك على ضرورة ضبط ومصادرة الأسلحة والمتفجرات والمواد العسكرية غير المرخصة وفق الأصول القضائية والقانونية، وملاحقة أي نشاط عسكري أو أمني محظور، وإحالة الملفات إلى المراجع القضائية المختصة، مع بحث إحالة قضية ضهر البيدر إلى المجلس العدلي وفقاً للأصول، بالنظر إلى خطورتها وانعكاساتها على أمن الدولة.
ولم يستثنِ محفوض الجمعيات والمؤسسات والشركات، داعياً إلى إخضاع كل جهة يثبت استخدامها لتغطية نشاط عسكري غير مشروع للتدقيق والمساءلة وفق الأدلة والقوانين المرعية، بالتوازي مع وضع آلية تنفيذية واضحة لقرارات مجلس الوزراء بمشاركة الجيش والقوى الأمنية والنيابات العامة، حتى لا تبقى القرارات الحكومية حبراً على ورق.
وفي هذا السياق، حذّر من أن التعامل مع أي نشاط عسكري محظور باعتباره أمراً واقعاً أو حقاً مكتسباً يشكل تقويضاً لسلطة الدولة، مؤكداً أن من يريد العمل السياسي فليعمل في السياسة، ومن يريد المشاركة في الانتخابات فليشارك وفق القانون، أما السلاح والمتفجرات والتنظيمات العسكرية والأمنية فلا مكان لها خارج سلطة الدولة.
نقل المتفجرات بين المدنيين ليس تفصيلاً لوجستياً
وعن المسؤولية القانونية المترتبة على نقل كمية كبيرة من المتفجرات عبر مناطق مأهولة بالسكان، اعتبر محفوض أن الأمر لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلاً لوجستياً أو مخالفة قابلة للتسوية باتصال سياسي، بل هو فعل ينطوي بحد ذاته على تعريض حياة المواطنين وسلامتهم وأمن المناطق التي تمر بها الشحنة لخطر جسيم، فضلاً عن الشبهات الجنائية والأمنية المرتبطة بحيازة هذه المواد ونقلها وتخزينها والغاية من استخدامها.
وأكد أنه حتى لو افترضنا جدلاً أن الغاية المعلنة من هذه المتفجرات هي مواجهة إسرائيل، فإن ذلك لا يلغي مسؤولية من حازها ونقلها وخزّنها خارج الأطر القانونية، إذ لا توجد في القانون اللبناني رخصة اسمها "متفجرات للمقاومة" تسمح بتجاوز سلطة الدولة.
وطرح محفوض سلسلة أسئلة أساسية يجب أن يجيب عنها الحزب والقضاء معاً: من قرر نقل هذه الكمية؟ من أمّنها؟ من رافقها؟ إلى أين كانت متجهة؟ أين كان يفترض تخزينها؟ وهل كانت هذه الشحنة الوحيدة، أم أن هناك شحنات سبقتها أو مستودعات أخرى لا تزال خارج رقابة الدولة؟
وحذّر من اختصار القضية بتوقيف سائق أو ناقل أو شخصين، فيما تبقى الشبكة التي تقف وراء العملية خارج دائرة المحاسبة، مشدداً على أن المطلوب هو كشف كامل لمسار الشحنة، من مصدرها إلى وجهتها، وتحديد المسؤوليات الفردية والتنظيمية ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
وختم محفوض بالتأكيد أن المتفجرات لا تصبح مشروعة بتغيير اسمها، وأن الجريمة لا تسقط عن مرتكبها لأن جهة حزبية قررت أن تمنحها غطاءً سياسياً.












