24 مليار دولار خلف الأسلاك... لماذا تبدو بيروت خارج اللعبة؟
خاص - الحقيقة
لا تبدو مذكرة التفاهم المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، والتي يُنتظر أن تُناقش في سويسرا يوم الجمعة، مرتبطة تلقائياً بفتح باب الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، إذ تشير المعطيات إلى أن هذا المسار غير وارد بمجرد توقيع أي اتفاق سياسي، ما يعيد الملف المالي إلى دائرة التعقيد بدل الانفراج.
في هذا السياق، يقدم الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة عبر موقع "الحقيقة" قراءة تعتبر أن إمكانية وصول هذه الأموال إلى لبنان تكاد تكون شبه معدومة، ويذهب أبعد من ذلك حين يصف احتمال سماح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتحويلها إلى بيروت بأنه يقترب من مستوى "الصفر"، نتيجة تداخل مصالح سياسية ومالية وقانونية تجعل القرار أكثر من مجرد خطوة تنفيذية.
ومن زاوية طهران، تظهر هذه الأموال كعنصر حيوي لا يمكن الاستهانة به، إذ تتعامل إيران معها كخزان سيولة ضروري في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة، حيث تسعى للاستفادة من أصول تُقدر بنحو 24 مليار دولار فيما تتحدث تقديرات أوسع عن إمكانية بلوغها سقف 100 مليار دولار، ما يجعلها جزءاً محورياً في معادلة الاقتصاد الإيراني الحالي.
وبحسب عجاقة، فإن الحاجة الإيرانية لا تتوقف عند حدود الأرقام العامة، إنما تمتد إلى طلب عاجل يقارب 12 مليار دولار نقداً، يُفترض أن تُستخدم في دعم استقرار العملة وتمويل مسارات إعادة الإعمار، سواء داخل لبنان أو في ساحات أخرى إلى جانب البعد السياسي المرتبط بإظهار القدرة على الاستمرار في الوفاء بالالتزامات أمام الجمهور الداخلي.
على الجهة المقابلة، تتعامل وزارة الخزانة الأميركية مع الملف من منظور مختلف كلياً، إذ تتجه الرؤية إلى توظيف هذه الأموال، في حال استمرار تجميدها أو مصادرتها ضمن إطار معالجة الأضرار الناتجة عن الضربات الإيرانية في بعض دول الخليج، ما يعكس انتقال الملف من بعده المالي إلى وظيفة سياسية أوسع.
أما في الحالة اللبنانية، فالحاجة إلى التمويل تبقى كبيرة ومفتوحة على استثمارات ضخمة لإعادة الإعمار، غير أن عجاقة يربط أي مسار تمويلي بالعقبة الأساسية المتمثلة بملف حزب الله، باعتبار أن هذا العامل يشكل نقطة حساسة في الحسابات الأميركية المتعلقة بكيفية إدارة أي تدفقات مالية محتملة.
ويشير إلى أن أي إمكانية لتحويل هذه الأموال نحو لبنان لن تمر إلا عبر مؤسسات الدولة الرسمية، إلا أن المخاوف الأميركية تبقى قائمة من احتمال استفادة الحزب منها بشكل مباشر أو غير مباشر، خصوصاً في ظل ما تعتبره واشنطن امتدادات نفوذ داخل بعض مفاصل الدولة اللبنانية.
كما يلفت إلى أن المسار القانوني يضيف طبقة إضافية من التعقيد، إذ يرتبط الملف بالأمر التنفيذي رقم 13224، الذي يُعد جزءاً أساسياً من منظومة العقوبات الأميركية المرتبطة بمكافحة تمويل الجهات المصنفة على لوائح الإرهاب، ما يجعل أي قرار بالإفراج محاطاً بقيود قانونية صارمة.
وعند تفكيك السيناريوهات المحتملة، يضع عجاقة ثلاثة مسارات رئيسية، أولها يتمثل في تحويل الأموال مباشرة إلى لبنان، وهو احتمال يقدَّر بأقل من 1 في المئة ويعتبره سيناريو يتطلب تجاوزاً واضحاً للبنية القانونية التي تحكم ملف العقوبات الأميركية.
أما السيناريو الثاني فيقوم على صيغة الاستثناء الإنساني عبر قنوات دولية تخضع لإشراف أميركي مباشر ، بحيث تُدار الأموال بعيداً من أي دور إيراني، ويُقدَّر هذا الاحتمال بنحو 5 في المئة.
في حين يبقى السيناريو الثالث هو الأكثر واقعية من وجهة نظره، ويُعطى احتمالاً يصل إلى 90 في المئة ويتمثل في سيطرة الولايات المتحدة على الجزء الأكبر من هذه الأموال وتوجيهها نحو تعويض دول الخليج أو توظيفها ضمن أولويات استراتيجية أوسع.
ويختم عجاقة بالإشارة إلى أن مجموعة العمل المالي الدولية تشكّل عاملاً إضافياً يحد من إمكانية استخدام هذه الأموال في تمويل إعادة إعمار لبنان، ما يبقي فجوة التمويل قائمة، ويجعل الملف مفتوحاً على مزيد من التعقيد في المرحلة المقبلة.
ويضيف أن السيناريو الأكثر ترجيحاً قد يمنح إيران مساحة لتقديم رواية سياسية داخلية مفادها أنها كانت تسعى للمساهمة في إعادة إعمار لبنان، إلا أن القرار الأميركي حال دون ذلك، بما يرسّخ سردية مختلفة للصراع حول هذه الأموال.













