في ظل استمرار المواجهة حول سلاح حزب الله وحصرية القرار الأمني، عاد ملف متفجرات ضهر البيدر إلى واجهة التجاذبات الحكومية، بعدما أصرّ وزير العدل عادل نصار على طرحه خلال جلسة مجلس الوزراء في 29 تشرين الأول 2026، رغم عدم إدراجه على جدول الأعمال، مطالباً بإحالته إلى المجلس العدلي، ومؤكداً أن القضية تتجاوز التحقيقات القضائية لتشكّل خطراً على الأمن الوطني والقرار السيادي للدولة. وشدد نصار على أن إصراره لا ينبع من عدم الثقة بالتحقيقات، بل من ضرورة مواجهة أي تهديد للقرار الوطني والسلاح غير الشرعي.
سعيد: المسألة أبعد من المجلس العدلي... إنها معركة مع منظمة تملك سلاحاً خارج الدولة
وفي قراءة سياسية لهذا التطور، اعتبر رئيس لقاء سيدة الجبل فارس سعيد، في حديث خاص لـ"الحقيقة"، أن طرح الوزير نصار قد يكون أيضاً في إطار اختبار نوايا رئيس الحكومة أو التحدي الحكومي والتنافس على المواقف داخل مجلس الوزراء، لكنه شدد على أن مطلب إحالة الملف إلى المجلس العدلي ليس جديداً، بل طُرح منذ اللحظة الأولى لضبط المتفجرات، معتبراً أن الموقف في أساسه محق، وإن لم يكن المسار الوحيد القادر على تحقيق النتائج المطلوبة.
ورأى سعيد أن اختزال القضية في مسألة المجلس العدلي أو المحكمة العسكرية يشكل تبسيطاً لطبيعة المواجهة، لأن المسألة، بحسب تعبيره، مبدئية وتتصل بوجود تنظيم مسلح خارج الأطر الدستورية والقانونية، وبمخاطر استخدام مواد متفجرة في عمليات قد تطال الداخل اللبناني.
وفي هذا الإطار، شدد على أن مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تقتصر على المسار القضائي وحده، بل تحتاج إلى مقاربة سياسية وطنية متكاملة، وإلى تضامن داخل مجلس الوزراء، بما يسمح بوضع حدود لتمدد حزب الله، الذي يعتبر سعيد أن سلاحه يشكل تهديداً للاستقرار الداخلي.
تجربة 14 آذار والمحكمة الدولية... الحقيقة من دون عدالة
واستعاد سعيد تجربة قوى 14 آذار في التعامل مع ملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مشيراً إلى أن القوى التي خاضت تلك المواجهة وضعت القضاء في واجهة المعركة، وذهبت إلى أبعد من المجلس العدلي وصولاً إلى المحكمة الدولية، لكن التدخلات الدولية والإقليمية والمحلية، وفق قراءته، حالت دون الوصول إلى العدالة المنشودة.
وقال إن تلك التجربة أظهرت إمكانية الوصول إلى الحقيقة من دون تحقيق العدالة، معتبراً أن الرهان على القضاء وحده في معالجة قضية بهذا الحجم لا يكفي، وأن المطلوب هو توفير غطاء سياسي وطني يحمي مسار الدولة ويمنع تعطيله.
ومن هنا، يضع سعيد ملف المتفجرات في سياق أوسع من مجرد المطالبة بإحالته إلى مرجعية قضائية معينة، إذ يرى أن المطلوب هو بناء موقف حكومي وطني متماسك، وعدم السماح بتحويل كل خطوة تتخذها الدولة إلى أزمة سياسية جديدة.
"محاصرة حزب الله معركة نقاط"... لا معركة تُحسم بكبسة زر
وفي تحديده لطبيعة المواجهة مع حزب الله، استخدم سعيد توصيفاً لافتاً، معتبراً أن محاصرة الحزب ليست معركة واحدة يمكن حسمها بقرار سريع أو خطوة منفردة، بل هي معركة نقاط، ينبغي خلالها تحقيق انتصارات صغيرة ومتراكمة في كل محطة.
وقال إن المطلوب هو كسب معركة صغيرة في كل مرة، وعدم تحويل التعثر في تحقيق مطلب معين إلى أزمة سياسية شاملة. وأضاف أنه إذا تعذّر الوصول إلى إحالة الملف إلى المجلس العدلي بسبب غياب التوافق الوزاري، فلا ينبغي تحويل ذلك إلى سبب لتعطيل المواجهة السياسية الأوسع، بل يجب مواصلة العمل في هذا الاتجاه من خلال محطات أخرى.
وأكد أن هذه المواجهة طويلة ومركبة، ولا تقتصر على البعد الداخلي، بل تتداخل فيها اعتبارات إقليمية ودولية ومحلية، ما يجعل التعامل معها بمنطق القرارات السريعة أو الحلول الفورية أمراً غير واقعي.
الطائف وحصرية السلاح... المدخل إلى استعادة الدولة
وفي ختام حديثه، شدد سعيد على أن الحل لا يمكن أن يكون إلا من خلال توافق لبناني ـ لبناني، والعودة إلى اتفاق الطائف بكل مندرجاته، وفي مقدمتها سحب السلاح غير الشرعي ووضع قرار استخدام القوة في يد الدولة.
واعتبر أن تطبيق الطائف واستعادة التوافق الوطني يشكلان العنصر الناقص في بناء الدولة، وأن استمرار وجود سلاح خارج مؤسساتها يبقي الأزمة مفتوحة ويحول دون قيام سلطة قادرة على فرض قراراتها على كامل الأراضي اللبنانية.
وبين إصرار وزير العدل على إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي، وقراءة سعيد التي تضع القضية في إطار مواجهة سياسية وسيادية طويلة الأمد، يبدو أن الاختبار الحقيقي لا يكمن فقط في الجهة القضائية التي ستتولى الملف، بل في قدرة الدولة على تحويل موقفها من حصرية السلاح إلى مسار عملي متدرج، لا يتوقف عند تعثر محطة أو اختلاف داخل الحكومة.












