بعد الخسائر التي طالت قياداته وكوادره، يثير ما تنقله معلومات خاصة حصلت عليها “الحقيقة” عن اجتماعات حزب الله المناطقية سؤالاً بالغ الخطورة: هل يتّجه الحزب إلى تعويض استنزافه بتعبئة جيل من القاصرين، وترسيخ فكرة “الشهادة” في أذهانهم قبل أن يبلغوا سنّ الرشد؟
فبحسب هذه المعلومات، تضمّ لقاءات مع مسؤولين في الحزب فتياناً تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، في سياق تعبئة عقائدية تستحضر الحرب و“الشهادة” ومصير الطائفة. وفي بلد دفع أثماناً باهظة للمواجهة الإسرائيلية الإيرانية على أرضه، وخصوصاً في الجنوب، تبدو إعادة مخاطبة هذا الجيل بمنطق الاستعداد لحرب جديدة مؤشراً مقلقاً إلى استمرار النهج نفسه، على الرغم من حجم الخسائر التي لحقت بالناس ومستقبلهم.
وتشير المعلومات إلى اجتماع عُقد في الضاحية الجنوبية لبيروت بحضور أحد مسؤولي القطاعات في الحزب، شارك فيه عدد من هؤلاء الفتيان. وخلال اللقاء، جرى التشديد على أن العقيدة هي التي تثبّت الإنسان، وأن “الشهداء” ثبّتوا الطائفة الشيعية في لبنان لعشرين عاماً مقبلة، بالتوازي مع حديث عن الشوق إلى الحرب مع إسرائيل.
هنا، يتجاوز الخطاب استذكار القتلى إلى تقديم موتهم بوصفه ضمانة لبقاء الطائفة ومستقبلها. وحين يُوجَّه هذا الكلام إلى قاصرين، يصبح السؤال عن أثره في وعيهم مشروعاً وملحّاً: أيّ مساحة تُترك للحياة والتعليم والاختيار، حين تُربط حماية الجماعة بالتضحية بالنفس، وتُقدَّم الحرب باعتبارها مدعاة للشوق؟
وتكشف المضامين المنقولة عن محاولة لشدّ العصب الطائفي، عبر وصل العقيدة بالسلاح، وربط مستقبل الشيعة باستمرار المواجهة. وهي معادلة تختزل جماعة كاملة في خيارات حزب، وتضع الفتيان أمام تصوّر يوحي بأن الوفاء لبيئتهم يمرّ عبر الاستعداد لتكرار تضحيات من سبقوهم، بدلاً من مساءلة الخيارات التي قادت إلى كل هذه الخسائر.
و تكفي المعلومات المتاحة و لو بشكل جزئي للجزم بوجود تجنيد عسكري لهؤلاء القاصرين، و تطرح بجدية مسألة إعدادهم نفسياً وفكرياً لتقبّل حرب مقبلة. فالخطورة تبدأ حين تتحوّل “الشهادة” من مفهوم ديني إلى أداة تعبئة حزبية، وحين يُغذّى الحماس للمواجهة لدى فتيان لم يبلغوا بعد سنّ الرشد ولم يشاركوا في صنع القرارات التي قد تحدّد مصيرهم.
وبالتوازي مع هذه التعبئة، تنقل المعلومات نفسها كلاماً تهديدياً موجّهاً إلى الرؤساء، مفاده أن المساس بأي رصاصة من سلاح “المقاومة” سيُقابَل بـ“قطع الرأس”، أياً تكن هوية المعني. وهو كلام، و ان كان يحمل معاني مجازية ، يضع ملف السلاح في مواجهة مباشرة مع منطق الدولة، ويستبدل النقاش في مستقبل لبنان بتهديد كل من يقترب من هذا الملف.
بين ترسيخ فكرة “الشهادة” لدى القاصرين ورفع سقف التهديد في وجه المؤسسات، تبرز أزمة تتجاوز خطاباً عابراً في اجتماع حزبي: إصرار على إبقاء البيئة في حالة تعبئة دائمة، وعلى تقديم السلاح باعتباره قدراً لا يُناقَش، مهما بلغت كلفته.
فهل يكون الردّ على خسارة القيادات والكوادر باستحضار جيل أصغر إلى خطاب الحرب نفسه؟ ومن يحمي هؤلاء الفتيان من أن يصبح مستقبلهم امتداداً لخسائر لم يختاروها، تحت عنوان الدفاع عن الطائفة؟












