إيلي صليبا… شبكة نفوذ تتجاوز قصور العدل؟ معلومات عن امتدادات محتملة إلى دول الخليج
خاص «الحقيقة» | محاسن مرسل تكشف خفايا العلاقات والأموال، ومصدر خاص يثير تساؤلات عن نشاط قد يتجاوز الحدود اللبنانية
لم يعد توقيف إيلي صليبا قضية محصورة بشخص يُشتبه في استغلاله أسماء قضاة ومسؤولين للحصول على أموال مقابل وعود بتسوية ملفات قضائية. فمع اتساع التحقيقات، تتكاثر الأسئلة حول حقيقة شبكة العلاقات التي بناها، والأشخاص الذين أحاطوا به، وطبيعة الأنشطة التي كان يمارسها تحت غطاء المؤسسات والجمعيات والصفات التي حملها.
والأخطر أن معلومات نقلها مصدر خاص إلى «الحقيقة» تشير إلى احتمال أن تكون بعض خيوط هذا النشاط قد تجاوزت الحدود اللبنانية، مع وجود أشخاص آخرين يُحتمل أن تكون لهم أدوار فيه، واتصالات قد تمتد إلى دول عربية أخرى، وخصوصاً في منطقة الخليج.
وهي معلومات أولية لم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من تفاصيلها أو تحديد طبيعة الأدوار المحتملة للأشخاص المعنيين، لكنها تفتح زاوية جديدة تستدعي البحث في ما إذا كانت القضية تقتصر على شبهات سمسرة قضائية محلية، أو أن التحقيقات ستكشف أنشطة وعلاقات أوسع.
وفي حديث خاص لـ«الحقيقة»، تضع الكاتبة والباحثة الاقتصادية والمالية محاسن مرسل جملة من المعطيات والتساؤلات حول مسار إيلي صليبا، من خلفيته الجامعية وعلاقاته السياسية والقضائية، وصولاً إلى الأموال التي يُشتبه في أنه حصل عليها، وكيفية وصوله إلى القصر الجمهوري.
شاب بلا شهادة حقوقية… كيف وصل إلى أصحاب النفوذ؟
تبدأ مرسل من سيرة إيلي صليبا، مشيرة إلى أنه من مواليد عام 1994، ولم يُنهِ، وفق معلوماتها، دراسته الجامعية في الحقوق، رغم الصورة التي استطاع تكوينها عن نفسه في الأوساط التي كان يتحرك ضمنها.
وتوضح أن صليبا عمل على نسج علاقات مع سفارات عربية، ورجال أعمال وشخصيات سياسية وأمنية وقضائية، مستفيداً من حضوره في المناسبات واللقاءات الرسمية لتقديم نفسه باعتباره شخصية قادرة على الوصول إلى مراكز القرار.
كما ارتبط اسمه بـ«حركة شباب لبنان» و«هيئة الطوارئ المدنية»، وهي صفات تطرح تساؤلات حول طبيعة النشاط الفعلي لهذه الأطر، ومدى استخدامها في بناء علاقاته والترويج لنفوذه.
وتشير مرسل إلى أن المعلومات التي بدأت تصلها بعد تناولها القضية كشفت، بحسب روايتها، عن حجم أكبر من العلاقات والأموال التي لم تكن على علم بها سابقاً.
أموال باسم القضاة… كيف بدأت خيوط القضية؟
في الجانب القضائي، برزت شبهات تتعلق باستغلال أسماء قضاة للإيحاء بالقدرة على التدخل في ملفات قضائية، مقابل مبالغ مالية كبيرة.
وتتصل إحدى الوقائع بوصول معلومات إلى أحد قضاة التحقيق في بعبدا تفيد بأن صليبا كان يستخدم اسمه في مجالسه الخاصة، ويوحي بامتلاكه القدرة على التأثير في قراراته، رغم عدم وجود معرفة شخصية تجمعهما.
وعلى إثر هذه المعلومات، تحرك النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر، وأعطى توجيهاته لجمع المعلومات والتحري عن نشاط صليبا، قبل أن تنفذ شعبة المعلومات عملية توقيفه.
كما برزت معلومات عن شكاوى سابقة تتعلق بالاحتيال وشيكات بلا رصيد، وشبهات تقاضي مبالغ وصلت، وفق تقارير قضائية، إلى مئات آلاف الدولارات لقاء وعود بتسوية قضايا.
وتضع هذه الوقائع المحققين أمام مسألة جوهرية: هل استُخدمت أسماء القضاة للإيهام بالنفوذ من دون علمهم، أم أن ثمة أدواراً أخرى قد تكشفها الأدلة؟
القاضي روني شحادة… عندما يُستخدم اسم القضاء لطلب الأموال
ومن أبرز جوانب القضية ما يتعلق بالمعلومات التي وصلت إلى القاضي روني شحادة بشأن طلب أموال من عائلة موقوف، قيل إنها مخصصة للتدخل في ملفه القضائي.
وتشير تفاصيل الواقعة إلى أن ابنة الموقوف أبلغت أحد المحامين بطلب مبالغ مالية إضافية، وبمعلومات عن اتصال هاتفي جرى فيه الحديث عن الوضع المالي للقاضي.
وبعد وصول هذه المعطيات إلى شحادة، بادر إلى تقديم إخبار لدى النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، بهدف التحقق من حقيقة استخدام اسمه في القضية.
ويبرز هنا الدور المفترض للتحقيق في تحديد المسؤوليات، بعيداً عن الزج بأسماء قضاة أو محامين في دائرة الاتهام من دون دليل.
محاسن مرسل: من موّل شبكة العلاقات؟
تتوقف مرسل عند ما تصفه بالجانب التنظيمي والمالي في نشاط صليبا، مشيرة إلى معلومات عن حديثه بشأن شبكة تضم ما بين 30 و40 محامياً، يتولى توزيع بعض الملفات عليهم، ويقدّم نفسه من خلال هذا النشاط باعتباره قادراً على متابعة القضايا.
وتتساءل عن مصادر التمويل التي أتاحت له تنظيم مناسبات ولقاءات واسعة، وعن طبيعة الدعم الذي تتحدث عنه المعلومات في الأوساط النقابية، بما فيها ما ارتبط بالمحامي فادي المصري والنقيب عماد مارتينوس.
وترى أن هذه الوقائع تستدعي فحص العلاقة بين التمويل والنشاط والعلاقات، من دون افتراض تورط الأشخاص الذين تعاملوا معه أو شاركوا في مناسباته.
فالسؤال بالنسبة إليها لا يقتصر على حجم الأموال، بل يتصل بكيفية توظيفها في بناء صورة النفوذ، ومن كان يستفيد فعلياً من هذه الصورة.
مصدر خاص لـ«الحقيقة»: هل تمتد خيوط النشاط إلى الخليج؟
وفي تطور يضيف بعداً جديداً إلى القضية، أفاد مصدر خاص لـ«الحقيقة» بأن المعلومات التي لديه تثير احتمال عدم انحصار النشاط موضع الشبهات بإيلي صليبا وحده، بل قد تكون هناك أدوار لأشخاص آخرين في عمليات أو ترتيبات تستدعي التحقيق.
وبحسب المصدر، فإن بعض العلاقات أو الاتصالات المرتبطة بهذا النشاط قد تكون امتدت خارج لبنان، باتجاه دول عربية أخرى، ولا سيما دول الخليج.
ولم يحدد المصدر، وفق المعلومات المتاحة، الدول المعنية أو طبيعة العمليات المحتملة أو أسماء المشاركين فيها، كما لم يثبت بعد وجود نشاط مخالف للقانون خارج لبنان.
غير أن هذه المعلومات تفتح مجموعة من الأسئلة: هل اقتصرت العلاقات الخارجية على التواصل الاجتماعي والمهني، أم استُخدمت في تقديم خدمات ووعود لأشخاص خارج لبنان؟ وهل توجد صلة بين النشاط المحلي والاتصالات الخارجية التي أشار إليها المصدر؟
وهل تكشف التحقيقات عن دور لأشخاص آخرين في تسهيل هذه العلاقات أو الاستفادة منها؟
إن الحديث عن امتداد محتمل إلى الخليج لا يعني اتهام أي دولة أو مؤسسة أو شخص في تلك الدول، بل يضع أمام المحققين فرضية تستلزم أدلة مستقلة، خصوصاً على مستوى الاتصالات والمعاملات المالية وطبيعة الخدمات التي عُرضت على الآخرين.
من السفارات إلى القصر الجمهوري… مَن فتح الأبواب؟
وتطرح محاسن مرسل سؤالاً بالغ الحساسية بشأن وصول صليبا إلى القصر الجمهوري واستقباله فيه، متسائلة عن المعايير الأمنية والإدارية المعتمدة للتحقق من صفات الأشخاص وخلفياتهم قبل دخولهم إلى المؤسسات الرسمية.
وترى مرسل أن قدرة شخص على التقاط الصور مع مسؤولين أو الظهور في مواقع رسمية قد تتحول إلى وسيلة للإيحاء بنفوذ لا يملكه بالضرورة.
ومن هنا تبرز ضرورة التحقق مما إذا كان صليبا قد استخدم هذه الصور واللقاءات في إقناع أشخاص بقدرته على التدخل في ملفاتهم.
فالوصول إلى مسؤول أو المشاركة في مناسبة رسمية لا يشكلان بحد ذاتهما دليلاً على وجود علاقة غير مشروعة، لكن التحقيق في كيفية استغلال هذا الظهور يبقى ضرورياً إذا ارتبط بشبهات طلب الأموال أو تقديم وعود لا أساس لها.
تهديدات لصحافيين وأسماء إضافية في الملف
وفي سياق موازٍ، تكشف مرسل عن تعرضها، إلى جانب الصحافي سامر زريق، لتهديدات تنسبها إلى صليبا على خلفية تناولهما ملف تعيين مدير عام للهيئة المعنية بالقنب الهندي في لبنان.
وتقول إن التهديدات شملت التلويح بتوقيفهما عند وصولهما إلى بعلبك، في مؤشر، بحسب قراءتها، إلى حجم النفوذ الذي كان صليبا يوحي بامتلاكه.
كما برز اسم آدم الرفاعي في معلومات تتعلق بعائلة أحد الموقوفين وبشبهات طلب أموال باسم القضاء، فيما تبقى طبيعة الأدوار والمسؤوليات المحتملة خاضعة للتحقق القضائي.
الهواتف تحت المجهر… هل تكشف اتصالات خارج لبنان؟
تتجه الأنظار اليوم إلى ما يمكن أن يظهره التحليل الفني لهواتف صليبا ومحادثاته واتصالاته، ولا سيما في ضوء المعلومات عن شبكة علاقات واسعة مع شخصيات رسمية وقضائية وأمنية.
ومع ظهور فرضية امتداد بعض أوجه نشاطه خارج لبنان، تبرز أهمية البحث في طبيعة الاتصالات الخارجية، إن وجدت، والجهات التي كان يتواصل معها، وما إذا كانت مرتبطة بخدمات قانونية أو مالية أو بوعود بالتدخل في ملفات معينة.
وقد تسهم الأدلة الرقمية والمالية، إذا توافرت، في التمييز بين العلاقات الاجتماعية العادية وأي أنشطة يثبت أنها انطوت على مخالفات أو عمليات احتيال.
وتشدد مرسل على ضرورة عدم الاكتفاء بجانب محدود من القضية، بل استكمال التحقيق في جميع الوقائع، وصولاً إلى تحديد المسؤوليات الفعلية من دون استثناء.
هل إيلي صليبا واجهة أم محور القضية؟
بين شبهات تقاضي الأموال باسم القضاء، والعلاقات الواسعة التي نسجها في الأوساط السياسية والأمنية والدبلوماسية، والمعلومات الجديدة عن امتدادات محتملة إلى خارج لبنان، باتت القضية تطرح أسئلة تتجاوز حدود التوقيف الأول.
فهل كان إيلي صليبا يعمل منفرداً، مستفيداً من شبكة علاقاته لإيهام الآخرين بالنفوذ؟ أم أن التحقيق سيكشف أشخاصاً آخرين أدوا أدواراً فعلية في الأنشطة موضع الشبهات؟
وهل تتوقف خيوط القضية عند قصور العدل اللبنانية، أم أن بعض الاتصالات والأنشطة قد يقود المحققين إلى خارج الحدود؟
الإجابات لا تزال رهن ما ستثبته التحقيقات.
أما السؤال الذي يبقى مفتوحاً، فهو: هل يصل القضاء إلى حقيقة الأموال والعلاقات والأدوار جميعها، أم تبقى جوانب من القضية خارج دائرة المحاسبة؟












