في ملف اللواء السوري المتقاعد عادل عيسى، تبدو المسألة أبعد من إجراء قضائي ينتظر توقيعاً أو استكمال معاملة، فالرجل الموجود في لبنان يجد نفسه داخل ملف تتقاطع فيه اعتبارات قانونية لبنانية مع طلب سوري لإقفال صفحة واسعة من ملفات ضباط ومسؤولين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة حكم بشار الأسد، وبين هذين المسارين تقف مجموعة من الأسئلة التي تتصل بآلية التعاطي اللبناني مع المطلوبين السوريين وطبيعة التنسيق القائم مع دمشق.
وبحسب معلومات متداولة في هذا السياق، لم تحسم السلطات اللبنانية حتى الآن قرار تسليم عيسى إلى السلطات السورية، وسط عقبات قانونية وإجرائية يأتي في مقدمتها قانون إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، الذي يفرض قيوداً أمام تسليم شخص إلى دولة يمكن أن يواجه فيها حكماً بالإعدام، وهي نقطة تجعل أي قرار بالتسليم مرتبطاً بضمانات قانونية واضحة ومسار قضائي قابل للتنفيذ.
الكاتب والمحلل السياسي أحمد الأيوبي يرى عبر موقع "الحقيقة" أن القضية تحمل جانباً آخر يتصل بمستوى التعاون والتنسيق بين بيروت ودمشق، مشيراً إلى احتمال وجود عرقلة أو ضعف في التنسيق حيال عدد من الملفات المرتبطة بفلول النظام السوري الموجودين في لبنان، ويطرح الأيوبي في هذا الإطار سؤالاً سياسياً حساساً حول الجهة التي تدير هذا الملف داخل لبنان، وحول وجود تأثير لحزب الله على مسار التعامل مع هؤلاء ومنع تسليم بعض الأسماء إلى السلطات السورية.
ويستند الأيوبي في قراءته إلى أن ملف وجود شخصيات وضباط من المرحلة السابقة في لبنان لم يعد قضية هامشية بالنسبة إلى دمشق، خصوصاً بعد انتقال العلاقة بين البلدين إلى مرحلة تتطلب معالجة ملفات أمنية وقضائية بقيت مفتوحة منذ سنوات، وقد سبق للرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أن سمى قبل أيام عدداً من الأسماء الموجودة في لبنان، ومن بينها علي مملوك في إشارة تحمل دلالة سياسية وأمنية حول حجم الملف وأسماء الشخصيات التي لا تزال موضع متابعة.
وتشير المعطيات التي يتحدث عنها الأيوبي إلى احتمال وصول وفد قضائي سوري إلى لبنان خلال الأيام المقبلة، في محاولة لمعالجة العقد التي تحيط بملف الضباط السوريين المطلوبين، خصوصاً الذين ارتبطت أسماؤهم، وفق الرواية السورية بارتكابات أو مشاركة أو تواطؤ خلال سنوات حكم الأسد، الأمر الذي يعني أن دمشق تتجه نحو مقاربة قضائية أكثر مباشرة، تقوم على جمع الملفات وتحديد المسؤوليات والسعي إلى استعادة المطلوبين عبر قنوات رسمية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية كون سوريا تريد إنهاء هذا الملف ضمن مسار أوسع لإعادة ترتيب مرحلة ما بعد الأسد، فيما تبدو قضية عيسى واحدة من حلقات أكبر تشمل ضباطاً ومسؤولين سابقين لا يزالون موزعين بين لبنان ودول أخرى، وكل اسم في هذا الملف يحمل معه سجلاً أمنياً وقضائياً وسياسياً يحتاج إلى معالجة منفصلة.
وفي خلفية هذا التحرك تبرز أيضاً إشارات سورية شديدة الحساسية تتصل بمصير بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، وصولاً إلى الحديث عن أحكام بالإعدام بحقهما، وهو تطور يرفع مستوى المخاطر القانونية أمام أي دولة تستضيف شخصيات محسوبة على النظام السابق، ويجعل مسألة التسليم أكثر تعقيداً، إذ تصبح الضمانات القضائية وطبيعة الأحكام المحتملة في سوريا جزءاً أساسياً من القرار اللبناني.
هنا تحديداً تكمن عقدة عادل عيسى، فالقضية ليست بين طلب سوري وقرار لبناني فقط، وإنما بين منظومتين قضائيتين ومسارين سياسيين وأمنيين، وكل خطوة في اتجاه التسليم تحتاج إلى معالجة دقيقة لمصير المطلوب بعد وصوله إلى سوريا، وفي حال وصول الوفد القضائي السوري فعلاً إلى بيروت، فقد يدخل الملف مرحلة مختلفة عنوانها التفاوض على الضمانات والملفات والأسماء، فيما ستتجه الأنظار إلى كيفية تعاطي الدولة اللبنانية مع ملف طال بقاؤه في المنطقة الرمادية، وإلى الجهة التي ستملك الكلمة الفصل في تحديد مصير عيسى وسواه من ضباط المرحلة السابقة الموجودين على الأراضي اللبنانية.













