في مثل هذا اليوم، 14 آب 2006، انتهت حرب تموز. حربٌ دخلها لبنان بقرار لم تكن الدولة صاحبة الكلمة الفصل فيه، وخرج منها اللبنانيون يحملون الركام والتهجير والخسائر، فيما بقيت عبارة «لو كنت أعلم» تختصر حجم المأزق الذي وقع فيه البلد.
بعد عشرين عاماً، لم يعد السؤال: ماذا لو كان يعلم؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا لو كان قد تعلّم؟ عشرون عاماً كاملة كانت كافية لمراجعة الحسابات، وقراءة النتائج، وفهم معنى أن يمتلك طرف واحد قرار الحرب، فيما يدفع بلد بأكمله الثمن. لكن المفارقة أن الدرس لم يُستخلص، وكأن لبنان محكوم عليه بإعادة التجربة نفسها كل مرة، مع تغيير بسيط في الشعارات وكثير من الخسائر.
غاب حسن نصرالله، صاحب عبارة «لو كنت أعلم»، بعدما اغتالته إسرائيل، لكن العقلية التي أنتجت تلك العبارة لم تغب. بقيت المعادلات، وبقيت لغة الردع، وبقيت الوعود بأن إسرائيل ستُهزم، وأن المقاومة أصبحت قوة لا تُقهر، وأن نهاية إسرائيل باتت مسألة وقت. حتى وصل الخطاب إلى حد الحديث عن «سبع دقائق ونصف» كأن إنهاء إسرائيل بات يحتاج إلى مؤقت لا إلى استراتيجية.
مرّت عشرون سنة. إسرائيل لم تنتهِ، ولم تختفِ، ولم تتراجع إلى حيث قيل إنها ستصل. لكن لبنان، في المقابل، دفع من اقتصاده واستقراره وأمنه وبيوته وأبنائه أثماناً باهظة. وهنا تصبح السخرية مؤلمة: يبدو أن «سبع دقائق ونصف» كانت تحتاج إلى عشرين عاماً كي تثبت للبنانيين أن الساعة التي كان يُفترض أن تتوقف عند إسرائيل، توقفت فعلياً عند لبنان.
كل هذه السنوات من تكديس السلاح، وبناء الترسانة، وصناعة «المعادلات»، والحديث عن «توازن الرعب»، لم تمنح اللبناني النتيجة البسيطة التي يبحث عنها أي مواطن في أي دولة: الأمان. بل وصلنا اليوم إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث التصعيد أكبر، والمنطقة أكثر اشتعالاً، وإسرائيل أكثر استعداداً لاستخدام القوة، فيما لبنان يجد نفسه مرة أخرى في موقع المتلقي للضربات والنتائج.
إذا كان هذا السلاح قد وُجد أساساً لردع إسرائيل، فالسؤال الذي لا يمكن الهروب منه هو: أين هو الردع؟ وإذا كانت كل هذه القوة قد بُنيت كي لا تستطيع إسرائيل فرض إرادتها على لبنان، فلماذا أصبحنا نحتاج اليوم إلى كل هذا الجهد الرئاسي والدبلوماسي والوساطات الدولية لاحتواء التصعيد ومنع الانفجار؟
لا أحد يستطيع أن ينكر حق لبنان في الدفاع عن نفسه، ولا يمكن إعفاء إسرائيل من مسؤولية اعتداءاتها أو احتلالها أو استمرارها في انتهاك السيادة اللبنانية. لكن الدفاع عن لبنان شيء، وتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لحسابات إقليمية شيء آخر. والسؤال هنا ليس عن قوة إسرائيل فقط، بل عن جدوى إبقاء لبنان رهينة قرار عسكري لا تملكه مؤسساته الشرعية.
اليوم، تتحرك الدولة والرئاسة والوسطاء والعواصم الدولية لمحاولة احتواء التصعيد، فيما يبقى اللبنانيون في قلب العاصفة. وهذه ربما واحدة من أكثر المفارقات قسوة: الدولة التي يفترض أن تكون صاحبة القرار، تتحول إلى جهة تحاول معالجة نتائج قرار لم تتخذه، فيما المواطن الذي لم يُستشر في الحرب يُطلب منه أن يتحمل فاتورتها.
والفاتورة ليست فقط صاروخاً أو غارة أو منزلاً مدمراً. الفاتورة اقتصاد، واستثمار، وسياحة، وهجرة، وفرص عمل، وقلق يومي، ومستقبل مؤجل. الفاتورة أن يعيش اللبناني وهو لا يعرف متى تبدأ الحرب، ولا متى تنتهي، ولا من قررها، ولا لماذا عليه أن يدفع ثمنها.
ولهذا فإن الأصوات التي ترتفع اليوم مطالبة بحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة لا تتحدث عن «استسلام» كما يحاول البعض تصويرها. إنها تتحدث عن أبسط حقوق المواطن: ألا يكون مصيره مرهوناً بقرار جهة واحدة، وألا تتحول بيوته وأرزاقه واقتصاده وأطفاله إلى أوراق في صراع أكبر منه.
أما أكثر ما يثير السخرية، فهو أن إسرائيل التي قيل إنها ستُردع، لا تزال تتصرف وفق حساباتها الخاصة، بينما لبنان هو الذي يحتاج إلى التفاوض والوساطة والاتصالات والضمانات كي يوقف النار ويحمي ما تبقى من استقراره. فإذا كان هذا هو «توازن الرعب»، فمن الواضح أن الرعب موزع بطريقة غير متوازنة أبداً.
لقد جُرّبت المعادلة لعشرين عاماً. جُرّب السلاح، وجُرّبت الحرب، وجُرّبت الشعارات، وجُرّبت فكرة أن قوة طرف واحد يمكن أن تحمي بلداً بأكمله. والنتيجة أن لبنان لم يصبح دولة أقوى، بل أصبح أكثر إنهاكاً وانقساماً وهشاشة، بينما بقي قرار الحرب والسلم أحد أكثر الملفات التي تهدد سيادته واستقراره.
ربما آن الأوان لتعريف الانتصار بطريقة مختلفة. الانتصار ليس أن تستطيع إشعال الحرب، بل أن تستطيع منعها. ليس أن تمتلك قرار التصعيد، بل أن تمتلك قرار التهدئة. وليس أن تجعل اللبناني يعتقد أن هناك من يستطيع إطلاق الصواريخ باسمه، بل أن تجعله يشعر أن هناك دولة تستطيع حمايته باسمه.
بعد عشرين عاماً، لا نحتاج إلى «لو كنت أعلم» جديدة. هذه المرة، نحن نعلم. نعلم أن قرار الحرب خارج الدولة يدفع ثمنه كل لبنان، ونعلم أن السلاح الذي لا يخضع لقرار الدولة لا يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ونعلم أن الرهان على قوة السلاح لم يمنح لبنان دولة قوية ولا اقتصاداً مستقراً ولا حدوداً محمية.
في 14 آب 2006 كان السؤال: ماذا لو كنت أعلم؟
في 14 آب 2026 يجب أن يكون السؤال: ماذا لو تعلّمنا؟
لأن لبنان لا يحتاج إلى معادلة جديدة، ولا إلى وعد جديد بإنهاء إسرائيل، ولا إلى ساعة جديدة تعدّ الدقائق. لبنان يحتاج إلى دولة واحدة، وقرار واحد، وسلاح واحد، وسيادة واحدة. يحتاج إلى أن يصبح قرار الحرب والسلم لبنانياً، لا قرار محور، ولا ورقة تفاوض، ولا رسالة إلى إسرائيل.
عشرون عاماً كانت كافية.
كافية كي نفهم أن أقوى ما يمكن أن يحمي لبنان ليس أن يقرر أحد عنه متى يحارب، بل أن يصبح لبنان نفسه قادراً على أن يقول: لا حرب تُخاض باسمي من دون قرار دولتي












