بينما يحترق الجنوب... البرلمان ينجز!
إنديرا الشوفي
في الأسبوع نفسه الذي كانت فيه مدفعية الاحتلال الإسرائيلي تُطلق قذائفها على النبطية وميس الجبل والخيام، وكانت الجرافات الإسرائيلية تُسوّي بيوت الجنوبيين بالأرض تحت غطاء "اتفاق إطاري" يُنتهك يومياً أمام أعين العالم، كان نواب الأمة اللبنانية
منشغلين... بشيء آخر.
لا، لم يكونوا يبحثون في خطة دفاعية، ولا في مساءلة من يُبقي الجيش عاجزاً عن حماية أرضه، بل كانوا يتفاوضون على حصص في قانون عفو عام، ويُقرّون تعديلات مصرفية معقّدة، ويحتفلون بإلغاء عقوبة الإعدام وكأنهم أنجزوا للتوّ نهضة تشريعية تاريخية.
المشهد أقرب إلى سخرية سوداء منه إلى سياسة: دولة تُقصف، وبرلمانها يوزّع "الكعكة".
لا أحد يجادل في أن السجون اللبنانية منكوبة: نسبة اكتظاظ تلامس 300%، وثلث النزلاء موقوفون بلا حكم، ومئات اعتُقلوا بـ"إشارات أمنية" لا سند قانونياً لها. هذه فضيحة حقيقية تستحق الحل. لكن الفضيحة الأخرى، التي لا يريد أحد تسميتها بصراحة، هي كيف تحوّل ملف العفو إلى "بازار" سياسي بامتياز، على حد تعبير أحد الخبراء القانونيين: كل طائفة وكل فريق سياسي يحجز مقعده في القانون، ويُدخل استثناءاته وتعديلاته، حتى بات القانون مرآة لموازين القوى الطائفية أكثر منه أداة عدالة.
أين هي المساءلة؟ أين حقوق الضحايا الذين لن يروا يوماً محاكمة عادلة؟ عفو بلا مصالحة حقيقية ليس إصلاحاً، بل هو، كما جرت العادة في هذا البلد، تبييض للحسابات القديمة تمهيداً لفتح حسابات جديدة.
إلغاء عقوبة الإعدام، بحدّ ذاته، خطوة يُفترض أن تُحسب لصالح أي برلمان يزعم احترام حقوق الإنسان. لكن حين تأتي هذه الخطوة "الحقوقية النبيلة" في اللحظة نفسها التي يُقصف فيها المدنيون في الجنوب دون أن يرفّ لأحد جفن، وحين تغيب عن الأولوية الوطنية أي قرار حاسم بمواجهة العدوان، يصبح مشروعاً أن يُسأل: هل هذا اهتمام حقيقي بالإنسان، أم واجهة تجميلية تُقدَّم للخارج بينما الداخل يُترك نهباً للاحتلال؟ الحقوق لا تُجزَّأ: من يريد أن يُقنعنا بأنه يحمي حياة المحكومين، عليه أولاً أن يفسّر لنا لماذا يعجز عن حماية حياة أهالي الخيام وكفرتبنيت والمنصوري.
أما "الإنجاز" الثالث، قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة هيكلتها، فيُقدَّم للناس على أنه المفتاح السحري لاستعادة الودائع المنهوبة منذ 2019. لكن الحقيقة أبسط وأقسى: القانون، بعد جولات وتعديلات ومراسيم ومعارك صلاحيات بين الحاكم والحكومة والمصارف، لا يزال يفتقر إلى الإجابة الأهم: من أين ستأتي الأموال أصلاً؟ يتحدثون عن "بايل إن" وتراتبية دائنين ومعايير دولية وصندوق النقد، فيما المودع اللبناني، الذي فقد مدخرات عمره، يُطلب منه أن يصفّق لقانون "إطاري" جديد بلا خطة تمويل واضحة. إصلاح مصرفي حقيقي لا يُبنى على تسويات بين أصحاب المصالح المصرفية والسياسية، بل على استعادة فعلية لأموال الناس. وما دامت هذه المعادلة غائبة، فكل "الإصلاح" التشريعي مجرد ورق فاخر لواقع مُفلس.
السؤال الذي يتهرّب منه الجميع
ثلاثة قوانين "كبرى" أُقرّت في أيام متتالية، وسط تصفيق ذاتي من طبقة سياسية اعتادت أن تُقايض إنجازاً تشريعياً بغطاء لتقصيرها الوطني الفادح. لكن أياً من هذه القوانين لا يوقف قذيفة واحدة، ولا يعيد نازحاً واحداً إلى بيته في الجنوب، ولا يُلزم أحداً بموقف واضح تجاه عدو يتوغل ويحرق ويجرف يومياً تحت مسمى "خرق للتفاهمات". حين تنشغل الدولة بتوزيع العفو وتلميع صورتها الحقوقية وترتيب بيتها المصرفي بينما جزء من أرضها محتل ومحروق، فهي لا "تُنجز"، بل تُدير الأزمة بمنطق تصريف الأعمال، وتترك الجنوب وحيداً يدفع الثمن مرتين: مرة بالدم تحت القصف، ومرة بالإهمال في أولويات مَن يفترض أن يمثله.
الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد القوانين المقرّة في جلسة واحدة، بل بجرأة الدولة على أن تقول، ولو لمرة واحدة، إن سيادتها وأرضها وشعبها في الجنوب ليست بنداً ثانوياً على جدول أعمال يزدحم بكل شيء إلا بها.













