خاص "للحقيقة.نت" جورج نادر: ترامب يتأرجح بين الاتفاق والتدمير... والضربة النووية المحدودة لإيران ليست مستبعدة
في ظل تصاعد المؤشرات على احتمال عودة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، تتجه الأنظار إلى القرار الذي سيحسمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المرحلة المقبلة، بعدما كشفت تقارير إعلامية عن ثلاثة خيارات قيد الدرس، تتراوح بين استئناف الضربات العسكرية، ومواصلة الضغط الاقتصادي على طهران، أو التوصل إلى اتفاق جديد معها.
وبحسب ما أورده موقع "أكسيوس"، فإن ترامب يدرس ثلاثة مسارات للتعامل مع إيران، في وقت أشارت فيه القناة 15 العبرية إلى احتمال اتجاهه نحو ضربة عسكرية محدودة تستهدف المنشآت النووية الإيرانية حصراً، من دون توسيع نطاق الهجوم ليشمل منشآت الطاقة والبنى التحتية.
وفي قراءة لهذه التطورات، قال العميد المتقاعد جورج نادر، في حديث خاص لـ"الحقيقة.نت"، إن شخصية ترامب وطريقة إدارته للملف الإيراني تثيران الكثير من علامات الاستفهام، معتبراً أن الرئيس الأميركي لا يملك موقفاً ثابتاً أو توجهاً واضحاً حتى الآن، بل يتنقل بين التهديد العسكري والحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع طهران.
وأوضح نادر أن ترامب، في الوقت الذي يوجه فيه الضربات إلى إيران، يعود ليعلن أن الولايات المتحدة باتت أقرب ما يكون إلى الاتفاق معها، قبل أن يطلق تهديدات بتدميرها ومحوها، ثم يتحدث مجدداً عن إيجابية الاتصالات وإمكانية الوصول إلى تسوية. وأضاف: "لا يوجد موقف ثابت لهذا الرجل، وحقيقةً لم أرَ في حياتي شخصية سياسية تقود أقوى دولة في العالم وتُكثر من التسريبات بهذا الشكل".
ورأى أن المرحلة الحالية تشهد صراعاً داخل الإدارة الأميركية بشأن الخيارات العسكرية المقبلة، ولا سيما أن هناك توجهاً لدى وزير الدفاع لاستئناف الضربات على إيران، بما فيها استهداف منشآتها النووية، في مقابل أصوات تدفع نحو التفاوض وتجنب العودة إلى حرب واسعة.
ولفت نادر إلى أن القرار لا يزال في يد ترامب، الذي يمتلك صلاحياته الرئاسية، فيما تبقى الخيارات قيد النقاش والمفاضلة داخل الإدارة الأميركية. لكنه شدد على أن المسألة لا تتعلق فقط بالقدرة على شنّ الحرب، بل أيضاً بما إذا كان ترامب يريد فعلاً العودة إلى المواجهة، وما يمكن أن يترتب على ذلك سياسياً وانتخابياً.
وفي هذا السياق، اعتبر أن أي قرار باستئناف الحرب قد ينعكس سلباً على الجمهوريين، خصوصاً بعد الانتخابات والاعتراضات الشعبية الأميركية على استمرار المواجهة، إذ سيواجه ترامب اتهامات بتجاهل إرادة الناخبين الذين أبدوا رفضهم للحرب. وأشار إلى أن ذلك قد ينعكس على حظوظ المرشح الجمهوري في الاستحقاق الرئاسي المقبل، بعد عامين، إذا ظهر أن الإدارة لم تحترم المزاج الشعبي الأميركي الرافض للتورط في حرب جديدة.
أما في ما يتعلق باحتمال توجيه ضربة تستهدف المنشآت النووية الإيرانية تحديداً، فلم يستبعد نادر هذا السيناريو، معتبراً أن المنشآت النووية المحصّنة تحت الأرض تشكل تحدياً عسكرياً كبيراً، ولا سيما تلك الموجودة في أعماق يصعب الوصول إليها باستخدام القنابل التقليدية الخارقة للتحصينات.
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن القنابل المتوافرة لا تستطيع، وفق تقديره، اختراق تحصينات يصل عمقها إلى نحو مئة متر، إذ تتراوح قدرات بعض القنابل الخارقة للتحصينات بين 60 و80 متراً كحد أقصى، ما يجعل استهداف بعض المنشآت شديدة التحصين مسألة بالغة التعقيد.
وذهب نادر إلى طرح احتمال استخدام أسلحة نووية محدودة التأثير في حال تقرر استهداف هذه المنشآت، متحدثاً عن إمكانية استخدام رؤوس نووية منخفضة القوة، بما يحدّ، وفق تصوره، من نطاق الإشعاع والأضرار المدنية، ويحول دون اتساع التداعيات إلى مواجهة دولية كبرى أو استنفار القوى النووية الأخرى.
وشدد على أن هذا الاحتمال يبقى مرتبطاً بطبيعة القرار الأميركي، لكنه لا يستبعد أن يلجأ ترامب إلى استهداف المنشآت النووية إذا قرر استئناف العمليات العسكرية، معتبراً أن طبيعة شخصيته المتقلبة تجعل من الصعب التنبؤ بخطوته المقبلة.
وفي توصيفه لطريقة إدارة ترامب للأزمة، قال نادر إن الرئيس الأميركي يتعامل مع الولايات المتحدة وكأنها شركة خاصة، لا دولة ديمقراطية تحكمها المؤسسات والتوازنات، معتبراً أن هذا الأسلوب يزيد من صعوبة قراءة قراراته، خصوصاً في الملفات العسكرية الحساسة التي تتطلب وضوحاً وثباتاً في المواقف.
وفي المقابل، رأى نادر أن التهديدات الأميركية المتصاعدة تندرج أيضاً في إطار ممارسة الضغط والتهويل على إيران لدفعها إلى تقديم تنازلات، مشيراً إلى أن طهران، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها، لا تزال قادرة على الصمود والمحافظة على تماسك نظامها.
وأوضح أن إيران خسرت المرشد الأعلى،وعدداً من الوزراء والقادة العسكريين وقادة الحرس الثوري، فضلاً عن تعرضها لضربات طالت قيادات ومواقع أساسية، إلا أن النظام لا يزال ممسكاً بمفاصل الدولة، ولم ينهَر رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الكبيرة.
وأضاف أن طهران تواجه وضعاً اقتصادياً صعباً، وتحديات داخلية متراكمة، لكن ذلك لم يمنعها من الاستمرار في إدارة أزمتها والمحافظة على بنية النظام ومؤسساته، معتبراً أن قدرتها على امتصاص الصدمات والضغوط الشعبية والخارجية كبيرة، وأن تجربتها خلال المواجهات السابقة أظهرت قدرة لافتة على الصمود رغم حجم الخسائر والدمار.
وفي هذا السياق، ميّز نادر بين امتلاك إيران قدرات عسكرية هجومية ضخمة وبين قدرتها على الصمود وإدارة الأزمات، معتبراً أن طهران لا تملك تفوقاً عسكرياً يسمح لها بفرض توازن ردع حقيقي، ولا تمتلك سلاحاً جوياً قادراً على خوض مواجهة بعيدة المدى بالمستوى المطلوب، كما أن خسائرها العسكرية أضعفت قدرتها على الرد بالشكل الذي يمكن أن يغيّر مسار المواجهة.
وأشار إلى أن إيران، وإن كانت قد أظهرت قدرة على امتصاص الضربات والاستمرار في المواجهة، فإنها لم تثبت امتلاكها القدرة العسكرية الكافية لفرض معادلة ردع متكافئة مع الولايات المتحدة.
وختم نادر بالإشارة إلى أن طهران تدرك خطورة أي تصعيد يتجاوز الضربات التقليدية، ولا سيما إذا وصل الأمر إلى استخدام أسلحة نووية، حتى لو كانت محدودة القوة، محذراً من أن مثل هذه الخطوة قد تدفع الدول العربية إلى الاصطفاف بصورة مختلفة، وتفتح الباب أمام تحالف أوسع ضد إيران، وهو ما تخشاه القيادة الإيرانية في حال خرجت المواجهة عن حدودها الحالية.
وبين شخصية أميركية يصعب التنبؤ بقراراتها، وإيران التي لا تزال تتمسك بقدرتها على الصمود رغم استنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية، يبقى السؤال الأساسي: هل يختار ترامب العودة إلى الحرب، أم يستخدم التهديد بضربة نووية لانتزاع اتفاق من طهران قبل أن تنفجر المواجهة مجدداً؟












