في ظل تصاعد الحديث عن احتمال فرض عقوبات أميركية على سياسيين يُتهمون بعرقلة تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، تتجه الأنظار إلى مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، وسط معطيات تشير إلى تباينات متزايدة في مقاربة المرحلة المقبلة، ولا سيما في العلاقة مع حزب الله ومستقبل سلاحه. فهل بات بري على مسافة سياسية مختلفة من الحزب؟ وهل يراهن الرجلان على تسوية إقليمية ودولية تعيد ترتيب المشهد اللبناني؟
يشير مصدر سياسي مطلع لـ"الحقيقة.نت" إلى أن الرئيس نبيه بري شهد تحولاً في مقاربته السياسية، ولم يعد يساير حزب الله كما في السابق، إذ بات يُبدي في مجالسه استياءً متكرراً من تصرفات الحزب ومواقفه، خصوصاً في ما يتعلق بملف السلاح وإدارة المواجهة السياسية والعسكرية. وقد برز هذا الاستياء بشكل واضح عقب كلام الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، الذي أكد فيه أن مسألة السلاح غير قابلة للنقاش، في وقت لا تزال هناك دعوات إلى الحوار لمعالجة هذا الملف.
وبحسب المعطيات، فإن موقف قاسم لم يكن مجرد إعلان موقف سياسي، بل شكّل عملياً قطعاً للطريق أمام أي محاولة حوارية، سواء تلك التي قد يقودها الرئيس بري أو التي ينادي بها أطراف آخرون، ما وضع رئيس المجلس أمام معادلة محرجة، خصوصاً أنه لا يزال يتمسك بموقف يقوم على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، مع عدم اعتبار مبدأ حصرية السلاح بحد ذاته مشكلة، متى توافرت الظروف السياسية والأمنية المناسبة لمعالجته.
لكن موقف بري لا يعني بالضرورة استعداده لرفع الغطاء السياسي بالكامل عن حزب الله. فالرجل يدرك أن مسألة سلاح الحزب تتجاوز الحسابات اللبنانية، وترتبط بإيران أولاً وأخيراً، باعتبار أن هذا السلاح إيراني من حيث العقيدة والأيديولوجيا والتمويل والتسليح، وأن حزب الله يشكل أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة. ومن هنا، لا يبدو أن بري يريد الدخول في مواجهة مباشرة مع طهران أو اتخاذ موقف يضعه في اشتباك معها.
إلا أن التطورات الأخيرة، ولا سيما التهديدات التي طالت النبطية وصولاً إلى إقليم التفاح، دفعت بري إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة، وقطعت الطريق أمام المشككين في حقيقة تبايناته مع الحزب. فالرئيس بري بات ينظر بقلق إلى ما آلت إليه أوضاع الجنوب، وما يمكن أن يترتب على استمرار المواجهة من خسائر كارثية تطال أبناء المنطقة، بعدما خسر الجنوب الكثير من استقراره ومقوماته، وصولاً إلى مناطق إقليم التفاح.
وفي سياق متصل، تكتسب إشارة الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير إلى أن من يعتقد بوجود انقسامات أو خلافات بين حزب الله وحركة أمل هو مخطئ، دلالات سياسية تتجاوز مضمون الكلام نفسه. فوفق قراءة هذه المعطيات، فإن اضطرار قاسم إلى التشديد علناً على متانة العلاقة بين الطرفين يعكس إدراكاً بوجود تباينات فعلية، وبأن الرئيس بري لم يعد يؤدي دور الأخ الأكبر الذي يستطيع احتواء كل الخلافات أو تمرير مواقف الحزب كما في السابق، بل إن العلاقة باتت تشهد اختلافات أعمق في وجهات النظر والحسابات السياسية.
أما على خط العلاقة بين بري وجنبلاط، فتشير المعطيات إلى تقارب في الرهانات السياسية، إذ يتعامل الرجلان مع المرحلة الحالية بمنطق انتظار المتغيرات، مع الحرص على الحفاظ على موقعهما في معادلة السلطة والتوازنات اللبنانية. فكلاهما يراهن على عامل الوقت، وعلى احتمال تبدل الظروف الإقليمية والدولية، بما يسمح بإنتاج تسوية سياسية تحفظ مصالحهما وأدوارهما داخل الدولة.
غير أن الرهان على تبدّل السياسة الأميركية يبدو محفوفاً بالمخاطر. فواشنطن، وفق هذه القراءة، لا تبدي مؤشرات جدية إلى تغيير ثوابتها الاستراتيجية، سواء لجهة استمرار دعم إسرائيل أو التمسك بالإطار السياسي والأمني الذي يحكم مقاربتها للمنطقة. كما أن التبدلات المرتبطة بالإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب، أو بالحسابات الإسرائيلية ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لا تعني بالضرورة تغيير بنك الأهداف الذي وُضع خلال زيارة وزير الحرب الأميركي إلى إسرائيل، والذي لا يزال، وفق المعطيات، قائماً سواء في لبنان أو في إيران.
وبالتالي، فإن انتظار تبدّل الموقف الأميركي قد لا يكون رهاناً مضمون النتائج، خصوصاً أن السياسة الخارجية الأميركية تجاه الملفات الاستراتيجية لا تتغير بالسهولة التي يتوقعها بعض اللاعبين اللبنانيين، وأن الدعم الأميركي لإسرائيل والاتفاقات والأطر السياسية القائمة لا تزال تشكل ثوابت في حسابات واشنطن.
وفي المقابل، يبرز التحرك القطري كأحد المسارات التي يراهن عليها بري وجنبلاط، إذ ينظران بإيجابية إلى أي جهد يمكن أن يفتح الباب أمام تسوية سياسية، باعتبار أن التسوية، إذا ما تحققت، قد تشكل مخرجاً مناسباً لهما في ظل التحولات والضغوط الراهنة.
لكن حتى الساعة، لا تزال الأمور في دائرة الترقب والانتظار، فيما يبقى السؤال الأساسي: هل يتمكن بري وجنبلاط من استثمار الوقت للوصول إلى تسوية تحفظ موقعيهما، أم أن واشنطن تتجه إلى الانتقال من مرحلة الضغط السياسي إلى مرحلة محاسبة كل من يُتهم بعرقلة تنفيذ قرار حصر السلاح؟











