عاد ملف الحدود الجنوبية إلى واجهة المشهد اللبناني، بعدما ظهرت إشارات إلى استعداد إسرائيلي لفتح نقاش حول نقاط كانت سابقاً خارج دائرة البحث، ما أعاد تحريك ملف بقي لسنوات محصوراً بين الخرائط والوثائق والقراءات المتباينة، فالمسألة لا ترتبط فقط بخطوط مرسومة على الورق، إنما بمسار طويل من التفاهمات والاعتراضات التي رافقت الحدود بين لبنان وإسرائيل منذ اتفاق الهدنة عام 1949.
هذا التحول سمح بإدراج ملف الحدود البرية ضمن جدول أعمال المفاوضات الحالية، مع محاولة لبنانية لإعادة تثبيت الحدود المعترف بها دولياً وإظهار موقعها القانوني، وهو ما يفسّر مشاركة خبير قانوني ضمن الوفد اللبناني، كون المعركة اليوم لا تدور حول الجغرافيا وحدها، إنما حول تثبيت الحقوق وفق المرجعيات الدولية والوثائق التي تحدد طبيعة الحدود.
وفي قراءة عسكرية للمرحلة، يوضح الخبير العسكري خليل الجميل لموقع "الحقيقة" أن المسألة الأساسية بين لبنان وإسرائيل لا ترتبط بترسيم حدود جديدة، لأن الحدود موجودة أصلاً وفق الخرائط الدولية، وإنما بالعمل على تثبيت نقاط بقيت موضع تحفظ منذ سنوات، مشيراً إلى أن خط الهدنة يتضمن 13 منطقة كانت محل خلاف بين خط الهدنة والخط الأزرق، إضافة إلى 18 منطقة أخرى قاطع فيها الخط الأزرق الحدود القائمة.
ويشير الجميل إلى أن المشهد تغير بصورة كبيرة بعد الحرب الأخيرة، بعدما أصبحت مناطق واسعة في الجنوب أمام واقع مختلف نتيجة الدمار الذي أصاب القرى والمناطق الحدودية، موضحاً أن استعادة الدولة اللبنانية للمناطق التي كانت موضع تحفظ، والتي بات بعضها يُشار إليه كمناطق محتلة منذ عام 2018، ستكون خطوة مهمة لمصلحة الدولة اللبنانية، كما أن أي تقدم في ملف الغجر ومزارع شبعا سيكون تطوراً إيجابياً، إلا أن الوصول إلى هذه المرحلة لا يزال يحتاج إلى ظروف سياسية وميدانية أكثر نضجاً.
ويضيف أن تثبيت الحدود يبقى مرتبطاً بحسم مسألة الأراضي المحتلة، لأن الحدود المرسمة دولياً بين لبنان وإسرائيل تمتد من الوزاني وصولاً إلى الناقورة، وهي الحدود التي وضعت خلال مرحلة الانتدابين الفرنسي على لبنان وسوريا والبريطاني على فلسطين، موضحاً أن محاولة إعادة تثبيت هذا الخط في المرحلة الحالية تواجه تعقيدات مرتبطة بالواقع القائم على الأرض وبالملفات العالقة منذ عقود.
وعليه، فإن النقاش حول الحدود الجنوبية يدخل مرحلة جديدة تحمل الكثير من الأسئلة، فالمطلوب لبنانياً ليس إنتاج حدود جديدة، وإنما استعادة وضوح الحدود القائمة وحماية ما تثبته الوثائق الدولية، فيما تبقى طبيعة المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة الأطراف المعنية على تحويل هذا المسار من نقاش تقني إلى خطوة عملية تعيد للدولة اللبنانية حضورها الكامل على أرضها.














