لم يعد خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم مجرّد تمسّك بسلاح خارج سلطة الدولة، بل بات يعكس إصرارًا على إبقاء القرار السيادي اللبناني رهينة حسابات الحزب ومحوره الإقليمي. فحين يُعلن قاسم أنّه "لا مجال للنقاش بشأن سحب سلاح المقاومة"، فهو لا يغلق باب الحوار حول قضية خلافية فحسب، بل يضع نفسه في موقع من يملك حقّ تحديد ما يجوز للدولة اللبنانية مناقشته وما يُمنع عليها الاقتراب منه، وكأنّ السيادة اللبنانية امتيازٌ ممنوح للحزب لا حقّ ثابت لجميع اللبنانيين.
في حديث خاص لـ"الحقيقة"، يضع رئيس ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين، الصحافي جاد الأخوي، خطاب قاسم في خانة فرض الوصاية على الدولة، معتبرًا أنّ الحزب لا يتعامل مع سلاحه باعتباره قضية وطنية قابلة للنقاش، بل باعتباره خطًا أحمر فوق الدستور والمؤسسات، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استعادة القرار اللبناني المستقل وحصر السلاح بيد الدولة.
سلاح فوق الدولة... ووصاية على القرار اللبناني
يرى الأخوي أنّ رفض حزب الله مناقشة مصير سلاحه لا يمكن اعتباره موقفًا حواريًا، بل هو إعلان صريح عن وصاية على الدولة اللبنانية. فحين يقول الحزب إنّ سلاحه خارج النقاش، فإنّه يضع السيادة اللبنانية في مرتبة أدنى من قراره الحزبي، وكأنّ على الدولة أن تستأذن قبل ممارسة صلاحياتها.
ويقول الأخوي إنّ موقف قاسم يختصر معادلة مرفوضة، مفادها أنّ الحزب يحتفظ بسلاحه وقراره، فيما تحتاج الدولة إلى موافقته لتحديد مستقبلها. ويطرح في هذا السياق سؤالًا أساسيًا: "بأيّ حق؟ ومن أعطى نعيم قاسم صلاحية تحديد حدود الدولة وحقوق اللبنانيين؟".
ولا يتوقف الاعتراض عند رفض النقاش، بل يمتد إلى النتائج التي يترتب عليها استمرار هذا الواقع. فالأخوي يشدد على أنّ اللبنانيين ليسوا مستعدين لدفع أثمان إضافية نتيجة قرارات لا يشاركون في اتخاذها، ولا سيما بعدما تحمّلوا خسائر طاولت المنازل والأرزاق والأمن والاستقرار.
ويحذّر من الانجرار إلى مواجهة أهلية قد تمنح الحزب ذريعة لتبرير استمرار سلاحه، معتبرًا أنّ المطلوب ليس دفع اللبنانيين إلى الشارع لمواجهة بعضهم بعضًا، بل وضع الدولة أمام مسؤولياتها. فحصرية السلاح، وفق مقاربته، قرار سيادي ينبغي تنفيذه، لا قضية تبقى معلّقة بانتظار موافقة الجهة المطلوب منها التخلي عن سلاحها.
ويضيف أنّ الدولة لا تستطيع الاستمرار في موقع من يطلب الإذن للقيام بواجباته، فيما يحتفظ الحزب بقرار الحرب ويترك للمؤسسات الرسمية مهمة إحصاء الضحايا وإيواء النازحين والتعامل مع التداعيات. ويعتبر أنّ هذه المعادلة لا يمكن أن تستمر، لأنّها تكرّس دولة تتحمّل النتائج من دون أن تمتلك القرار.
إيران تتفاوض... ولبنان يدفع الثمن!
ومن ملف السلاح إلى الارتباط بطهران، يفتح خطاب قاسم، الذي ربط فيه اهتمام الحزب بالتوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة بمصدر القوة المتاح له، بابًا واسعًا أمام التساؤلات حول موقع لبنان في حسابات الحزب، ومدى استقلالية قراره عن التفاهمات الإقليمية.
وفي هذا الإطار، يعتبر الأخوي أنّ كلام قاسم يكشف تناقضًا واضحًا في موقف حزب الله: فهو يرفض أن تفاوض الدولة اللبنانية باسم شعبها، فيما ينتظر أن تتفاوض إيران لتحديد مسارات قد تنعكس على مستقبل لبنان ومصالحه.
ويقول إنّ المشكلة ليست في مبدأ التفاوض بحدّ ذاته، بل في الجهة التي تتولاه والمصالح التي تحكمه. فحين تصبح المفاوضات الأميركية الإيرانية مصدرًا للقوة بالنسبة إلى الحزب، يصبح من المشروع التساؤل عن موقع الدولة اللبنانية ومصلحتها المستقلة في هذه المعادلة.
ويشدد الأخوي على أنّ من حقّ إيران التفاوض على مصالحها، لكن ليس من حقّها التفاوض باسم لبنان، كما أنّ حزب الله لا يملك تفويضًا يمنحه لطهران كي تقرّر عن اللبنانيين. ويختصر موقفه بالقول إنّ "نحن دولة ولسنا بندًا في دفتر الشروط الإيراني".
ويتابع أنّ ربط قوة الحزب بتفاهم أميركي إيراني يطرح سؤالًا إضافيًا حول طبيعة السلاح الذي يقدّمه الحزب باعتباره ضمانة للبنان، إذا كانت فعاليته السياسية مرتبطة في نهاية المطاف بتسوية تجري خارج الحدود. فهل السلاح، وفق هذه المعادلة، قرار لبناني مستقل، أم ورقة مرتبطة بمسار تفاوضي إقليمي؟
وبحسب الأخوي، فإنّ الخطر يكمن في تحويل مصير اللبنانيين، بمختلف طوائفهم، إلى جزء من حسابات إيران الإقليمية. وهو يؤكد أنّ حتى البيئة الشيعية لا يمكن افتراض تفويضها المطلق لأي جهة كي تربط مستقبلها السياسي بمصالح طهران، مشددًا على أنّ من يختار ربط خياراته بإيران يتحمل مسؤولية خياره، لكنّه لا يملك حقّ رهن بلد بأكمله به.
دعم الجيش بالكلام... ومصادرة دوره بالفعل
وفي تناقض آخر يسلّط الضوء عليه الأخوي، يبرز إعلان قاسم دعم الجيش اللبناني بالتوازي مع رفضه مناقشة سلاح الحزب. فكيف يمكن الحديث عن دعم المؤسسة العسكرية فيما يحتفظ حزب الله لنفسه بقرار الحرب والسلم، ويرفض إخضاع ترسانته لسلطة الدولة؟
بالنسبة إلى الأخوي، فإنّ هذا الموقف يمثّل دعمًا للجيش بالكلام، مقابل مصادرة دوره الفعلي. فالدعم الحقيقي لا يُقاس بالتصريحات، بل بمدى الاعتراف بحق المؤسسة العسكرية في ممارسة صلاحياتها على كامل الأراضي اللبنانية، من دون وجود قوة مسلّحة موازية تفرض حدودًا على دورها.
ويقول إنّ الحزب يريد جيشًا يتولى ضبط الأمن واستقبال النازحين ومعالجة آثار الحروب، فيما يحتفظ هو بقرار إشعال المواجهات أو الانخراط فيها. وبذلك، تصبح المؤسسة العسكرية أمام معادلة غير متوازنة: تتحمّل مسؤوليات الدولة، لكنها لا تمتلك وحدها سلطة القرار في القضايا التي تمسّ أمن البلاد ومصيرها.
ويستعيد الأخوي تاريخ الحزب منذ عام 1982، معتبرًا أنّ مرور أربعة وأربعين عامًا لم ينهِ الإشكالية الأساسية المتعلقة بازدواجية السلطة والسلاح. ويسأل عن المدة التي سيبقى فيها هذا الاستثناء قائمًا، فيما يُطلب من اللبنانيين التعامل معه كأمر طبيعي لا يجوز المساس به.
ويشدد على أنّ الازدواجية تتجلى في الاعتراف بالجيش مؤسسةً وطنية، مع رفض الاعتراف بسلطته مرجعيةً نهائية في ملف السلاح. فمن يدعم الجيش فعليًا، بحسب الأخوي، عليه أن يقبل بالخضوع لسلطته، لا أن يحتفظ لنفسه بموقع الشريك المسلّح الذي يقرّر متى يتقدم الجيش ومتى يتراجع.
حوار بشروط الحزب... أم جلسة مبايعة؟
ولا ينفصل رفض مناقشة السلاح عن خطاب الحوار الذي يقدّمه حزب الله بوصفه مدخلًا للتفاهم الداخلي. فالحوار، وفق مقاربة الأخوي، يفقد مضمونه عندما يدخل أحد الأطراف إليه واضعًا مسبقًا خطوطًا حمراء تمنع البحث في القضية الأكثر تأثيرًا على مستقبل الدولة والسيادة.
ويعتبر أنّ الحزب لا يطلب من اللبنانيين، في هذه الحالة، مناقشة مصير السلاح، بل القبول بقرار اتخذه مسبقًا، ثم البحث في كيفية التعايش مع نتائجه. ويطرح تساؤلات حول طبيعة الحوار المطلوب: هل هو نقاش بشأن مستقبل الدولة، أم محاولة للتوافق على كيفية إدارة تداعيات الحروب المقبلة، أم مجرد إطار سياسي يمنح الحزب غطاءً لاستمرار الوضع القائم؟
ويشدد الأخوي على أنّ أي حوار وطني حقيقي يفترض أن تكون نتائجه مفتوحة أمام النقاش، وأن يقبل أطرافه بإمكان الوصول إلى قرارات لا تتطابق بالضرورة مع مصالحهم الخاصة.
أما أن يدخل طرف إلى الحوار محتفظًا بحقّ النقض على القضية الأساسية، فيما يُطلب من بقية الأطراف التسليم بشروطه، فذلك لا يشكّل حوارًا متكافئًا، بل محاولة لفرض الأمر الواقع تحت عنوان التفاهم.
ويضع الأخوي المسألة عند نقطة جوهرية: هل يقبل حزب الله بنتيجة حوار لا توافق مصالحه، بما فيها البحث الجدي في حصرية السلاح بيد الدولة؟ فإذا كان الجواب بالنفي، فإنّ المطلوب، بحسب تعبيره، ليس حوارًا وطنيًا، بل جلسة مبايعة لقرار حزبي سبق أن اتُخذ خارج المؤسسات الدستورية.
تحالفات حزب الله تحت الاختبار... وبري يرفض موقع الأخ الأصغر
وفي ما يتصل بتأكيد قاسم متانة العلاقة بين حزب الله وحركة أمل والقوى الحليفة، يرى الأخوي أنّ الاكتفاء بالشعارات لا يكفي لإثبات تماسك التحالفات، خصوصًا في ظلّ التباينات السياسية التي قد تظهر بين الحلفاء مع تبدّل الظروف وموازين القوى.
ويعتبر أنّ الحديث عن "القوى الحليفة" يستدعي تحديد الجهات المقصودة، لا سيما في ظلّ المواقف التي تصدر عن شخصيات سياسية كانت تربطها بالحزب تفاهمات أو تحالفات، ومن بينها رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل. فالتقاطع في بعض المواقف لا يعني بالضرورة العودة إلى تحالف متكامل، كما أنّ المواقف المتشابهة في ملف معيّن لا تكفي لإثبات وحدة المشروع السياسي.
أما العلاقة بين حزب الله وحركة أمل، فيرى الأخوي أنّها لا يمكن اختصارها بوصفها متينة من دون التوقف عند طبيعة التوازنات داخلها. فاستمرار التنسيق لا يلغي وجود تباينات، كما أنّ التحالف لا يعني بالضرورة أن يكون أحد طرفيه صاحب القرار النهائي والآخر ملزمًا بمجاراة خياراته.
وفي هذا السياق، يتوقف عند كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري عن أنّه "لا وجود للأخ الأكبر"، معتبرًا أنّ العبارة تحمل دلالة سياسية تتجاوز الصياغة المباشرة، إذ يمكن قراءتها على أنّها رفض لأي علاقة تقوم على التبعية أو على افتراض أنّ حزب الله يملك وحده حقّ تحديد الاتجاهات ثم مطالبة حلفائه بالسير خلفه.
ويؤكد الأخوي أنّ ذلك لا يعني بالضرورة انهيار العلاقة بين الطرفين، لكنه يشير إلى أنّ موازينها ليست ثابتة، وأنّ الحزب بات بحاجة إلى الغطاء السياسي الذي يوفّره حلفاؤه، ما يمنح هؤلاء هامشًا أوسع في التعامل معه وفي التعبير عن تبايناتهم.
ويختم هذا المحور بالتشديد على أنّ متانة التحالفات لا تُقاس بكثرة التصريحات التي تؤكدها، بل بقدرة أطرافها على الحفاظ على وحدة الموقف عندما تتعارض المصالح وتظهر الخلافات.
من يملك قرار لبنان؟
في المحصلة، يعيد خطاب نعيم قاسم طرح الإشكالية التي لم يتمكن لبنان من حسمها منذ عقود: هل تكون الدولة صاحبة القرار النهائي في الحرب والسلم، أم يستمر وجود قوة مسلّحة خارج سلطتها، تحتفظ لنفسها بحقّ تحديد حدود النقاش الوطني؟
بالنسبة إلى جاد الأخوي، لا يمكن فصل ملف السلاح عن استقلالية القرار اللبناني، ولا يمكن الحديث عن سيادة مكتملة ما دامت الدولة مطالبة بالتعايش مع قرارات لا تملك سلطة منعها أو مراجعتها. كما أنّ ربط قوة الحزب بمسار التفاوض الإيراني الأميركي يثير تساؤلات حول مدى استقلالية خياراته عن حسابات طهران.
وبين رفض مناقشة السلاح، والتلويح بالحوار من دون فتح الملفات الأساسية، والتأكيد على دعم الجيش من دون القبول بحصرية سلطته، تتكرّس معادلة يرى الأخوي أنّها تضع الدولة أمام مسؤولياتها، فيما تبقي القرار الفعلي خارج مؤسساتها.












