تتسارع المؤشرات العسكرية والسياسية في واشنطن على احتمال اقتراب مواجهة أميركية جديدة مع إيران، وسط تحركات غير اعتيادية داخل البيت الأبيض والبنتاغون، وتعزيزات عسكرية متواصلة في الشرق الأوسط، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في الثالث من تشرين الثاني المقبل.
وفي تطور لافت، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال”، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر مطلعة، أن قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، قدّم للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخميس، إحاطة مباشرة حول الخيارات العسكرية المتاحة ضد إيران، خلال اجتماع في البيت الأبيض حضره وزير الدفاع بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، إلى جانب مسؤولين آخرين في الإدارة الأميركية.
وتكتسب هذه الإحاطة أهمية استثنائية بالنظر إلى أن كوبر نادراً ما يجتمع شخصياً بترامب لتقديم تقييمات عسكرية مباشرة، الأمر الذي يضفي على اللقاء دلالات تتجاوز الاجتماعات العسكرية الدورية، خصوصاً أنه يأتي في وقت تدرس فيه الإدارة الأميركية استئناف عمليات قتالية واسعة النطاق ضد طهران.
وبحسب المعلومات، جاء الاجتماع بعد مشاورات أجراها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس مع قيادات عسكرية في البيت الأبيض، الأربعاء، ما يعكس تكثيف النقاشات داخل الإدارة بشأن الخيارات المطروحة للتعامل مع الملف الإيراني، بين العودة إلى العمليات العسكرية ومحاولة التوصل إلى تسوية دبلوماسية.
استعدادات عسكرية تتجاوز التحذيرات السياسية
ولا تنفصل هذه التطورات عن التحركات العسكرية الأميركية المتسارعة في المنطقة. فقد أفادت “وول ستريت جورنال” بأن الجيش الأميركي يعمل على نقل بطارية إضافية من منظومة الدفاع الجوي والصاروخي “باتريوت” من ولاية تكساس إلى إسرائيل، بهدف تعزيز قدرتها على اعتراض الصواريخ والتعامل مع أي رد إيراني محتمل.
وتأتي هذه الخطوة ضمن إجراءات أوسع تشمل إعادة تموضع قوات أميركية بعيداً عن قواعد تُعد أكثر عرضة للهجمات، وإعادة تزويد القوات المنتشرة في الشرق الأوسط بالذخائر، بالتوازي مع استعدادات تشمل الطائرات المقاتلة والقاذفات الأميركية.
كما أشارت تقارير الصحيفة إلى التحضير لتعزيز الانتشار البحري الأميركي خلال الشهر المقبل، مع احتمال انضمام مجموعة حاملة طائرات ووحدة من مشاة البحرية إلى القطع الحربية الموجودة في المنطقة.
وتوحي هذه الإجراءات بأن واشنطن لا تكتفي بدراسة السيناريوهات العسكرية على المستوى السياسي، بل تعمل أيضاً على توفير الجاهزية العملياتية والدفاعية اللازمة في حال اتخاذ قرار بتنفيذ ضربات جديدة.
تحذيرات لدول الخليج… والأنظار إلى ما بعد الانتخابات
وكانت الصحيفة قد كشفت، في تقرير سابق، أن الولايات المتحدة أبلغت عدداً من الدول الخليجية، عبر قنوات دبلوماسية وعسكرية، بضرورة الاستعداد لاحتمال تنفيذ حملة عسكرية قصيرة ومكثفة ضد إيران بعد انتخابات الكونغرس الأميركي المقررة في الثالث من تشرين الثاني.
وبحسب التقرير، فإن واشنطن وتل أبيب تدرسان توجيه ضربات جديدة تستهدف إضعاف القدرات الإيرانية ودفع طهران إلى تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات، وسط بحث احتمالات استهداف منشآت نووية وبنى تحتية حيوية.
إلا أن هذه السيناريوهات لا تزال ضمن الخيارات المطروحة، إذ لم يصدر حتى الآن إعلان أميركي عن اتخاذ قرار نهائي بشن هجوم جديد أو تحديد موعد لتنفيذه.
وفي المقابل، تواصل الإدارة الأميركية إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً، إذ تحدثت تقارير عن اتصالات يقودها فانس في محاولة لإحياء المفاوضات مع طهران، في وقت يسعى فيه وسطاء إقليميون إلى منع تجدد المواجهة.
بين الضغط العسكري واحتمال الحرب الإقليمية
وتثير هذه الاستعدادات تساؤلات جدية حول طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت واشنطن تستخدم الحشد العسكري لزيادة الضغط على إيران وانتزاع اتفاق بشروط أكثر تشدداً، أم أنها تقترب بالفعل من اتخاذ قرار باستئناف العمليات العسكرية.
وتبرز في هذا السياق مخاوف من أن تؤدي أي ضربة أميركية أو إسرائيلية جديدة إلى رد إيراني يطال أهدافاً عسكرية أو مصالح اقتصادية في المنطقة، بما قد يوسّع نطاق المواجهة ويضع دول الخليج أمام تحديات أمنية واقتصادية جديدة.
وكان البيت الأبيض قد امتنع عن التعليق على تفاصيل الخطط العسكرية المحتملة، مؤكداً أن ترامب يُبقي جميع الخيارات مطروحة لضمان عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً.
وبين الإحاطة العسكرية النادرة التي قدّمها كوبر، ونقل منظومات الدفاع الصاروخي إلى إسرائيل، وتحذير دول الخليج من احتمال مواجهة جديدة، تتراكم المؤشرات إلى أن المنطقة تدخل مرحلة شديدة الحساسية.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تمثّل هذه التحركات ذروة الضغط العسكري الأميركي لفرض اتفاق مع طهران، أم أن اجتماع كوبر وترامب يشكّل إحدى الخطوات التي تسبق قراراً بفتح جولة جديدة من الحرب ضد إيران؟













