لم يعد السؤال في الكواليس الدبلوماسية: هل ستقع الحرب؟ بل متى سيُضغط على الزر الأخير؟
في بيروت، تغيّرت لغة السفراء. وفي العواصم المؤثرة، تغيّرت لغة البيانات. أما في المنطقة، فتبدو كل المؤشرات وكأنها تتحرك على إيقاع ساعة واحدة. ساعة لا تشير إلى الوقت، بل إلى الحرب.
مصادر دبلوماسية وسياسية متابعة للمشهد الإقليمي تتحدث عن مرحلة شديدة الحساسية وغير مسبوقة، وتؤكد أن المنطقة دخلت فعليًا مرحلة “العدّ العكسي”، حيث لم تعد الأولوية لاحتواء التصعيد بقدر ما أصبحت لكيفية التعامل مع تداعياته إذا وقع.
ما يجري اليوم ليس مجرد تبادل رسائل سياسية بين واشنطن وطهران وتل أبيب. فالمعطيات المتقاطعة تتحدث عن رفع مستويات الجهوزية العسكرية، وإعادة تقييم السيناريوهات الأمنية، فيما تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة أكبر إعادة رسم لقواعد الاشتباك منذ سنوات.
وفي الكواليس، يُطرح سيناريو الحرب الكبرى مجددًا. حرب تختلف عن سابقاتها في الشكل والحجم والأهداف. فالمواجهة المقبلة، إذا وقعت، لن تكون محصورة بجبهة واحدة أو دولة واحدة، بل قد تتحول إلى حرب متعددة الساحات تمتد من إيران إلى أكثر من بقعة ملتهبة في الشرق الأوسط.
أما لبنان، فلا يقف خارج المشهد، بل في قلبه تمامًا.
فما يُقلق الأوساط الدبلوماسية ليس فقط احتمال اندلاع مواجهة إقليمية، بل انعكاساتها المباشرة على الجنوب اللبناني الذي يبقى جزءًا من الحسابات العسكرية والأمنية الإقليمية. لذلك، فإن أي تطور دراماتيكي في المنطقة ستكون له ارتداداته الحتمية على الداخل اللبناني.
مصادر متابعة لا تستبعد أن تكون الساعات الأربع والعشرون المقبلة مفصلية على أكثر من مستوى، ليس بالضرورة بمعنى حسم قرار الحرب، وإنما لناحية اتضاح اتجاه الرياح الإقليمية، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية قسرية بالنار أو نحو انفجار واسع يصعب احتواؤه.
وفي موازاة المشهد العسكري، تبدو المؤشرات الدبلوماسية أكثر إثارة للقلق. فالسفارات الغربية والعربية تتعامل بحذر شديد مع المرحلة الحالية، فيما تستمر التحذيرات المتعلقة بالسفر إلى لبنان. أما الرسالة غير المعلنة التي تتردد في الكواليس فهي واحدة: استعدوا لكل الاحتمالات.
الأخطر أن لغة الميدان سبقت لغة السياسة. فالحديث لم يعد يدور حول ما إذا كانت الأطراف تمتلك القدرة على الذهاب إلى المواجهة، بل حول حجمها وحدودها الزمنية والجغرافية إذا اندلعت.
هل اتُخذ قرار الحرب؟ الجواب لا يزال في دائرة التقديرات. لكن المؤكد أن قرار الاستعداد لها قد اتُّخذ منذ مدة.
الشرق الأوسط اليوم ليس أمام أزمة عابرة، بل أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات العسكرية والسياسية لعقود مقبلة.
أما لبنان، فمرة جديدة، يقف على حافة بركان لا يملك قرار إشعاله، لكنه قد يكون من أوائل من يدفعون ثمن انفجاره.
فُتحت غرف العمليات… وباتت المنطقة كلها تترقب من سيضغط على الزر الأخير.












