لم يعد السؤال المطروح داخل غرف القرار في تل أبيب: هل ستتحرك إسرائيل في مرتفع علي الطاهر؟ بل متى ستقرر أن ساعة التنفيذ قد حانت. فالمعطيات السياسية والعسكرية المتقاطعة تشير إلى أن القرار الاستراتيجي قد اتُّخذ، فيما يبقى التنفيذ مؤجلًا إلى حين توافر اللحظة التي تضمن أكبر قدر من المكاسب بأقل قدر من المخاطر، وسط تصاعد المخاوف من انهيار الهدنة الهشة على الجبهة الجنوبية، واحتمال انزلاق المنطقة مجددًا إلى مواجهة مفتوحة.
يحتل مرتفع علي الطاهر موقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية، إذ يشرف على مساحات واسعة من جنوب لبنان والجليل الأعلى، ما يجعله إحدى أهم النقاط في الحسابات العسكرية الإسرائيلية. ومنذ انتهاء الجولة الأخيرة من المواجهات، عاد المرتفع إلى صدارة التخطيط الأمني في تل أبيب باعتباره عنصرًا مؤثرًا في أي معادلة عسكرية أو أمنية مستقبلية على الحدود.
ووفق المعطيات السياسية والعسكرية، تبدو المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وقد حسمت، من حيث المبدأ، خيار التعامل مع المرتفع متى رأت أن الظروف أصبحت مؤاتية، سواء عبر عملية عسكرية محدودة، أو استهداف نوعي، أو فرض واقع أمني جديد يمنع إعادة تموضع أي قوة تعتبرها إسرائيل تهديدًا مباشرًا لمستوطنات الشمال. إلا أن القرار، رغم حسمه على مستوى التخطيط، لم يدخل بعد مرحلة التنفيذ، لأن القيادة الإسرائيلية لا تزال توازن بين المكاسب العسكرية المحتملة وبين الكلفة السياسية والأمنية والإقليمية التي قد تترتب على أي خطوة من هذا النوع.
ولا تنفصل هذه الحسابات عن المشهد الإقليمي، حيث تتواصل الضغوط الدولية لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع انهيار الهدنة، في وقت لا تزال فيه ملفات الحدود، والضمانات الأمنية، ومستقبل سلاح حزب الله، تمثل العقد الأساسية أمام أي تسوية دائمة.
وتدرك إسرائيل أن أي تحرك في مرتفع علي الطاهر لن يُنظر إليه كعملية تكتيكية معزولة، بل قد يُفسَّر على أنه محاولة لتعديل قواعد الاشتباك وفرض وقائع ميدانية جديدة، وهو ما قد يدفع المنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة إذا خرجت الأمور عن السيطرة. لذلك، تبدو تل أبيب حريصة على اختيار اللحظة التي تحقق فيها أكبر قدر من الإنجاز العسكري، مقابل أقل قدر ممكن من التداعيات السياسية والعسكرية.
في المقابل، لا تبدو حسابات حزب الله أقل تعقيدًا. فوفق المعطيات السياسية، يمر الحزب بإحدى أكثر مراحله حساسية منذ سنوات، بعدما خرج من المواجهات الأخيرة مثقلًا بخسائر كبيرة طالت قياداته العسكرية والأمنية، وبنيته العملياتية، وشبكاته اللوجستية، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية والسياسية التي انعكست على هامش حركته داخل لبنان. وبحسب تقديرات سياسية، فإن أي حرب جديدة لن تكون مجرد جولة إضافية، بل قد تضيف إلى سجل خسائره أثمانًا غير مسبوقة، سواء على مستوى القيادات، أو القدرات العسكرية، أو البنية التنظيمية، أو البيئة الحاضنة التي تحملت خلال الأشهر الماضية أعباءً بشرية ومادية هائلة.
وتشير القراءة السياسية إلى أن الحزب يجد نفسه أمام معضلة استراتيجية معقدة؛ فهو يدرك أن الذهاب إلى مواجهة واسعة قد يسرّع استنزاف ما تبقى من قدراته ويعمّق خسائره، في وقت يحاول فيه إعادة ترتيب صفوفه وترميم بنيته الداخلية. وفي المقابل، يواجه استحقاقات يفرضها انتماؤه إلى المحور الإقليمي الذي تقوده طهران، وما قد يترتب على أي تصعيد إقليمي من ضغوط سياسية وعسكرية. وبين هذين الاعتبارين، تبدو عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيدًا من أي مرحلة سابقة، حيث يتأرجح بين تجنب حرب يدرك كلفتها الباهظة، وبين الخشية من أن يُفسَّر ضبط النفس على أنه تراجع عن معادلات الردع التي سعى إلى تكريسها طوال السنوات الماضية.
من هنا، لا يمكن الجزم بأن أي تحرك إسرائيلي في مرتفع علي الطاهر سيقود تلقائيًا إلى مواجهة شاملة، لأن قرار الرد سيبقى خاضعًا لحسابات دقيقة تتعلق بحجم العملية الإسرائيلية، وكلفتها، والظروف الإقليمية، وموازين القوى، والضغوط الدولية الساعية إلى منع انفجار الجبهة مجددًا.
وفي المقابل، يبدو أن إسرائيل تراهن على أن هامش المناورة لدى حزب الله لم يعد كما كان قبل الحرب الأخيرة، وأن حجم الخسائر التي تكبدها قد يدفعه إلى تجنب الانجرار نحو مواجهة مفتوحة، ما قد يمنحها فرصة لفرض وقائع ميدانية جديدة ضمن سقف محسوب. إلا أن هذا الرهان يبقى محفوفًا بالمخاطر، لأن أي خطأ في التقدير، أو أي تطور ميداني غير محسوب، قد ينسف الهدنة القائمة ويدفع الطرفين إلى مواجهة لا تبدو نتائجها مضمونة لأي منهما.
وبين قرار إسرائيلي يبدو جاهزًا، وواقع ميداني شديد الهشاشة، وحزب الله الذي يقف أمام أصعب معادلة منذ سنوات بين كلفة الحرب وضغوط المحور، يبقى مرتفع علي الطاهر مرشحًا لأن يتحول إلى أول اختبار حقيقي للمرحلة المقبلة، وإلى النقطة التي قد تحدد ما إذا كانت الحدود الجنوبية ستبقى تحت سقف الاحتواء، أم أن المنطقة تتجه نحو جولة جديدة من الصراع قد تتجاوز في تداعياتها حدود لبنان.












