ما هي أوجه الاختلاف ، بين المقاومة الوطنية والمقاومة الإسلامية(حزب الله)؟
في إحدى مقابلاتي التلفزيونية وتعليقاً على حرب إسناد إيران التي بادرت إليها المقاومة الإسلامية(حزب الله) ضد العدو الإسرائيلي من جبهة جنوب لبنان، سألني الإعلامي الدكتور سامي كليب بصفتي من رعيل جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، ما هو الفارق بين المقاومتين ؟ ولأن الحديث التلفزيوني لا يحتمل الإطالة بالشرح، أقتصر جوابي على القول :المقاومة الوطنية كانت جامعة، اما مقاومة حزب الله الطائفية فقدت طابعها الوطني وتحولت إلى حالة مذهبية، فانقسم عليها المجتمع .
وفي الحقيقة هذا جزءٌ بسيط من الإجابة المعللة. وإذا أردنا الاستطراد في إبراز أوجه الاختلاف بين المقاومتين، أقول ما يلي من وجهة نظري:
أولاً: في القانون الدولي مقاومة الاحتلال بكل الوسائل حق لكل الشعوب لا جدال فيه.
ثانياً: في لبنان نشأت جبهة المقاومة الوطنية بأعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف عام ١٩٨٢ وصولاً إلى بيروت ، وكان فريق من اللبنانيين بما في ذلك قيادة الجيش اللبناني في حينه متعاونين مع قوات الإحتلال.
وفي شهر آب من ذلك العام وقبل اتفاق فليب حبيب مع منظمة التحرير الفلسطينية، عقدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني اجتماعاً في الطابق السادس تحت الأرض في مبنى سينما مارينيان في الحمرا، خصص للبحث في كيفية مواجهة قوات الاحتلال وبدأ أعمال المقاومة خلف خطوط العدو.
قدم الشهيد جورج حاوي أمين عام الحزب مداخلةً شدد فيها على أهمية الإسراع بتشكيل مقاومة سرية ضد قوات العدو تحمل عنواناً وطنياً هدفها تحرير الأرض والمساهمة بإعادة توحيد البلاد التي كانت منقسمة في تلك المرحلة بين مؤيدين لقوات الاحتلال ومقاومين له، ولاستباق أي محاولة لنشوء مقاومات تحت مسميات حزبية فئوية أو مذهبية أو دينية، تؤدلج المقاومة وتفقدها مضمونها التحرري الوطني.
من هذه الخلفية التي أقرّتها اللجنة المركزية ، بادر الرفيق الشهيد جورج حاوي والرفيق الراحل محسن إبراهيم إلى إطلاق البيان التأسيسي لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في ١٦ أيلول عام ١٩٨٢ من منزل القائد الشهيد كمال جنبلاط، وجرى التواصل مع مختلف القوى الرافضة للاحتلال للتنسيق فيما بينها والعمل تحت مسمى واحد"جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية".
وهكذا انطلقت عمليات الجبهة من تحرير العاصمة، إلى دحر قوات العدو إلى داخل ما عرف بالشريط الحدودي في جنوب لبنان خلال ما يقارب ثلاث سنوات من انطلاقتها.
ثالثاً: في العام ١٩٨٧ عادت القوات السورية إلى بيروت بغطاء أميركي بعدما خرجت منها إبان الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢، وكان في تلك المرحلة قد تأسس في لبنان حزب الله الموالي لإيران بعد انتصار الثورة الإسلامية فيها، وبعد مواجهة سورية إيرانية على أرض لبنان استمرت خلال عامي ١٩٨٧ و١٩٨٨، كانت أدواتها حزب الله وحركة أمل ، انتهى الأمر إلى صفقة بين النظامين السوري والإيراني، وتوزيع النفوذ بينهما في الطائفة الشيعية، حزب الله يتابع العمل المسلح تحت مسمى المقاومة الإسلامية، وحركة أمل تتولى تمثيل الطائفة في السلطة. وشكًل ذلك بداية لتطييف المقاومة ضد قوات الاحتلال، وتقليص دور المقاومة الوطنية بحجب المساعدات عن فصائلها من جهة، واعتراض المقاومة الإسلامية لمجموعاتها المقاومة واستهداف عناصرها بتكليف من الأجهزة الأمنية السورية من جهة آخرى . من هنا برز وطغى دور المقاومة الإسلامية في المحطة الأخيرة من عملية التحرير التي انحصرت بعد العام ١٩٨٧ في منطقة الشريط الحدودي. وعلى الرغم مما احدثه تطييف المقاومة من شروخ وطنية بما في ذلك داخل الطائفة الشيعية، إلا أن اندحار قوات العدو وتحرير الأراضي اللبنانية دون قيد أو شرط ، كان مفخرةً لجميع مكونات المجتمع اللبناني وقواه السياسية.
رابعاً:المقاومة الوطنية كان قرارها وطني لبناني ، وعندما رفض قادتها محاولة النظام السوري وضع اليد عليها ومصادرة قرارها ، حُوصرت وأُقفلت أبواب إمدادها، وتعرّض مقاوموها للاغتيال والاعتقال ما قلّص فعاليتها في عقد التسعينيات لمصلحة المقاومة الإسلامية التي تلقت رعاية مزدوجة سورية إيرانية.
خامساً: بعد العام ٢٠٠٠، وبعدما تحررت جميع الأراضي اللبنانية دون قيد أو شرط ، انتفت الحاجة لوجود مقاومة بمختلف مسمياتها، خاصة وأن الدولة كان قد أعيد ترميمها وتوحّد جيشها بإسقاط تمرّد الجنرال ميشال عون بعد اتفاق الطائف. وتحوّل حزب الله بعد ذلك من مقاومة للمساهمة في تحرير الأرض، إلى فصيل نظامي في فيلق القدس الإيراني وفي خدمة مصالح النظامين الحلفين السوري والإيراني ، داخل الحدود اللبنانية وخارجها في الإقليم والعالم . ومن خلال تنفيذ خدماته في هذا المجال ، في سوريا والعراق واليمن، والتجنّد في خطوط التهريب للمنوعات وتبييض الأموال، وُضع الحزب على لوائح الإرهاب في معظم البلدان الغربية وفي بلدان الخليج العربي. وفي حرب إسناديه لغزة والنظام الإيراني ،تسبب حزب الله بعودة الاحتلالي الإسرائيلي لما يقارب ٢٠٪من الأرضي اللبنانية واستشهاد ما لايقل عن ١٠٠٠٠ شهيدة وشهيد وما يزيد على ٢٠٠٠٠ الف جريحة ًجريح، وتهديم ما يقارب ٧٠ بلدة وقرية في الجنوب، وآلاف المنازل في ضاحية بيروت الجنوبية وبيروت والبقاع، وتشريد حوالي مليون وأربع ماية ألف مواطنة ومواطن. وتسبب في وضع لبنان تحت وصايات جديدة، أميركية- إسرائيلية وإيرانية.
بعد كل هذه المصائب التي تسبب بها حزب الله للبنان بعد العام ٢٠٠٠، هل سوف يقيم مراجعة لسياساته التدميرية الانتحارية تلك، أم ستطل علينا قيادته بخطاب نصرٍ إلهي جديد بعد اتفاق الإطار بين أميركا وإيران؟
يوسف مرتضى- كاتب سياسي










