كتلة البكاء والحكي
أسوأ ما صنعه الحزب، وعلى مرأى من قيادته، هو اختياراته النيابية والوزارية، وهذا ما جعل كثيرًا من ناخبيه نادمين على فعلٍ أقدموا عليه تحت وطأة التكليف الشرعي وتلبيةً لوصايا الشهداء. وهذا ما أدى إلى صرخة جهورة من كبار في السن عاصروا نواب ما قبل كتلة التكليف الشرعي، فوجدوا فيهم إخلاصًا ووفاءً وحرصًا ومسؤولية، واهتمامًا لم يعد متوفرًا في كتلة متفرغة لكل شيء إلا لخدمة الناس والتقرب منهم، ومعايشة حياتهم في أهوالها وأحوالها وشجونها.
أكثرهم يبدأ بالبكاء بسبب أو من دون سبب، حتى أصبحت عادة اعتادوها في مجالس تستحضر العبرة، تحسسًا منهم لحساسية السلطة في استدرار العطف الذي يمنحهم التزكية المطلوبة للاستمرار في مواقعهم التي يخافون مغادرتها، إذا ما أتقنوا فن الحفاظ عليها.
لم يفعلوا شيئًا، لقد هربوا في الإسناد الأول إلى زوايا تعصمهم من مسيرة لا تبحث عنهم، ولم يزحفوا إلى النازحين المشردين في الشوارع والخيم المسقوفة، وتلك المفتوحة على أوجاع لا حدود لها. وبعد أن هدأت الحرب، هبّوا هبةً واحدة بألسنتهم للإدانة والعنترة وإعلان الانتصار على الهزيمة.
في الإسناد الثاني، بان بعضهم، واختبأ البعض الآخر، وجعلوا ألسنتهم تلوك كل شيء، ولا توفر للمقهورين في نزوحهم سوى المزيد من إبر الفخر والاعتزاز، وبذل الكرامة الضائعة على الطرقات من بيروت إلى أقصى عكار.
يتنافسون على مجالس الفواتح، ولا يتقنون من الخطابة فنًا ولا صنعة، ولا منعة في اللغة، ولا بنيةً جمليةً مفيدة. لا شيء يضاهي تهديدهم بعصا الناس إذا ما نزلوا إلى الشوارع، ويتلطّون بنبيههم الذي آمنهم من خوف، وحماهم بعد أن هددوه لسنين كثيرة.
من يمثل الشعب، عليه أن يعيش كما يعيش الشعب، ومن كان منتميًا إلى حزب المستضعفين، فليكن مستضعفًا لا مستكبرًا في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه. يكون معهم أينما كانوا، في الشارع والخيمة والسقف المدمر، ويحيط بهم من كل جانب، ويلازمهم ملازمة الأب لأبنائه، والأخ لإخوانه، ولا يتخلى عن الناس، ولا يبخل عليهم بخدماته وقضاء حاجاتهم. وعلى فرض أن فاقد الشيء لا يعطيه، كما يرقع لهم المرقعون، يكفي أن يصوموا مع الجائعين، ومع المصابين في ممتلكاتهم وأرواحهم، وحسبهم في ذلك قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهم يلوكـون وصاياه يوميًا.
قال عليه السلام: «أأبيت مبطانًا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى، ولعل بالحجاز أو باليمامة من لا طمع له في قرص، ولا عهد له بالشبع».












