حين يهدأ صخب خبر تصدر المشهد لأيام، تبدأ الأسئلة الأكثر أهمية بالظهور، وهذا ما يبدو أنه يحصل اليوم مع قضية حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، فبعد موجة الاهتمام التي رافقت توقيفه، تراجع حضور الملف إعلامياً بفعل التطورات الصحية التي مر بها والمواقف السياسية التي أحاطت بالقضية غير أن هدوء الضجيج لا يعني أن الأسئلة التي أثارتها مرحلة سلامة قد وجدت طريقها إلى الإجابة.
يضع الخبير الاقتصادي أنيس بو دياب القضية في إطار أوسع، ويرى أن الضغط السياسي الذي يرافق سلامة اليوم كان مُعداً سلفاً، حتى في الطريقة التي تمت فيها عملية توقيفه، معتبراً أن حصر المسؤولية بشخص واحد لن يقود إلى كشف كامل لمسار الانهيار، خصوصاً إذا بقي آخرون ممن شاركوا في القرارات المالية والسياسية خارج دائرة المساءلة.
وبحسب بو دياب، فإن الحديث عن هدر ومخالفات مرتبطة بقانون النقد والتسليف لا يمكن تجاهله، غير أن تحويل رياض سلامة إلى العنوان الوحيد للأزمة يحتاج إلى مراجعة، فلبنان لم يصل إلى الانهيار المالي نتيجة قرار منفرد أو مرحلة محددة، وإنما نتيجة مسار طويل شاركت في صنعه سياسات مالية وإدارية وسياسية تعود إلى سنوات سابقة، وهو ما يستدعي العودة إلى محطات أساسية تبدأ من مرحلة الوصاية السورية وهيمنة حزب الله على مفاصل الدولة ككل، وما رافقها من تدخلات مروراً بملف بنك المدينة وتداعياته على القطاع المصرفي، وصولاً إلى أداء مؤسسات الدولة خلال العقود التي سبقت الانهيار.
وفي قراءة بو دياب، فإن الهندسات المالية لا يمكن التعامل معها كأنها ظاهرة لبنانية منفصلة عن التجربة العالمية، فهي أداة استخدمتها مصارف مركزية في دول مختلفة بهدف إدارة السيولة وتعزيز الاحتياطيات والمساعدة في حماية الاستقرار النقدي، ولذلك فإن السؤال الاقتصادي الحقيقي لا يتعلق بوجود الهندسات من عدمه، وإنما بطريقة استخدامها والنتائج التي ترتبت عليها والجهات التي استفادت منها والقرارات التي رافقتها فوجود شبهات فساد في بعض العمليات إذا ثبتت، لا يجعل من الهندسات المالية وحدها تفسيراً كاملاً لانهيار الاقتصاد اللبناني.
ومن هنا تبرز مفارقة أخرى في مسيرة سلامة، فقد أمضى سنوات طويلة في موقع حظي خلاله بإشادات من مؤسسات مالية دولية، كما نال جوائز وتصنيفات من مجلات اقتصادية عالمية، قبل أن تنقلب صورته بصورة جذرية بعد الانهيار المالي، فتتحول الشخصية التي ارتبط اسمها لسنوات بالاستقرار النقدي إلى أحد أبرز عناوين المسؤولية عن الأزمة، وهي مفارقة تفتح سؤالاً أوسع من حدود شخص الحاكم السابق، وهو كيف انتقلت المنظومة المالية اللبنانية من مرحلة كانت فيها السياسات النقدية موضع إشادة إلى مرحلة باتت فيها الدولة والمصارف والمصرف المركزي أمام واحدة من أعقد الأزمات المالية.
ويشدد بو دياب على أن القضاء أمام مهمة تتجاوز إصدار حكم في ملف شخصي، فالمطلوب، وفق رؤيته، الوصول إلى الصورة الكاملة وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة والوقائع، بعيداً من الانتقائية، لأن اللبنانيين يحتاجون إلى معرفة كيف صُنعت الأزمة، ومن اتخذ القرارات التي قادت إليها، ومن استفاد منها، وأين ذهبت الأموال، وكيف تحولت الاختلالات المالية إلى أزمة اقتصادية أصابت الدولة والمصارف والمودعين معاً.
وفي هذا السياق.. يرى أن استقلال القضاء يصبح جزءاً أساسياً من الحل، كون أي تحقيق لا يستطيع الوصول إلى مختلف حلقات القرار سيبقى عاجزاً عن تقديم الرواية الكاملة، فيما المطلوب تحقيقات قادرة على تتبع الملفات والقرارات والجهات التي شاركت في صناعة السياسات التي سبقت الانهيار، أياً كانت مواقع أصحابها أو أدوارهم.
ويستند بو دياب في قراءته إلى حجم الأرقام المرتبطة بالخسائر العامة، مشيراً إلى أن تقديرات وتقارير رسمية ودولية تحدثت عن خسائر وهدر في قطاع الكهرباء منذ بداية التسعينيات تقترب من 45 مليار دولار، فيما تشير تقديرات أخرى مرتبطة بالفساد في مشاريع البنى التحتية والعقود العامة إلى نسب مرتفعة من الهدر خلال سنوات طويلة، وقد قادت هذه المسارات، إلى جانب العجز المالي والدين العام وكلفة السياسات الاقتصادية المتعاقبة، إلى فجوة مالية تقترب من 85 مليار دولار وفق تقديرات يستند إليها بو دياب.
هذه الأرقام، في رأيه، تعيد النقاش إلى نقطة أساسية، وهي أن الأزمة اللبنانية أكبر من ملف رياض سلامة وحده، فالمسألة ترتبط بمنظومة قرارات امتدت لسنوات، وتداخل فيها السياسي بالمالي والإداري، وتراكمت آثارها حتى وصلت البلاد إلى الانهيار، ولذلك فإن اختصار كل هذه المرحلة بشخص واحد قد يبرز عنواناً سهلاً للرأي العام، لكنه لا يجيب عن السؤال الأصعب، كيف وصل لبنان إلى هنا، ومن يتحمل مسؤولية الطريق الذي أوصل إليه.
ومن هذه الزاوية، تصبح قضية سلامة أمام اختبار يتجاوز مصيره الشخصي، فإما أن تتحول التحقيقات إلى مدخل لكشف كامل لمسار القرارات المالية والسياسية التي سبقت الأزمة، وإما أن تبقى القضية محصورة في اسم واحد، فيما تبقى الملفات الأخرى التي صنعت البيئة التي أنتجت الانهيار خارج دائرة الضوء، وعندها قد يعرف اللبنانيون مصير رياض سلامة، من دون أن يعرفوا بعد مصير الحقيقة التي يبحثون عنها.












