أيّ مشروعٍ هذا الذي يحتاج إلى فناء أهله كي يبقى؟
ليس أخطر ما يواجه أي مجتمع هو عدوّه الخارجي فقط، بل أن يصبح استنزاف أبنائه جزءاً من معادلة بقائه. فالأوطان لا تموت فقط حين تُحتل أراضيها، بل حين يُستهلك شبابها، وتُفرّغ قرىها من أهلها، وتتحول أجيال كاملة إلى وقود لصراعات لا تنتهي.
بعد سنوات من الحروب المفتوحة في سوريا واليمن وجبهات الإسناد، بات السؤال الذي يفرض نفسه على الجميع: ماذا بقي من الثروة البشرية التي تشكل أساس أي مجتمع؟ فالقوة ليست بعدد الصواريخ، ولا بعدد المقاتلين، ولا بحجم التنظيمات السياسية والعسكرية، بل بقدرة المجتمع على إنتاج الحياة.
لقد دفع المجتمع الشيعي اللبناني كلفة بشرية واجتماعية هائلة خلال السنوات الماضية. أعداد كبيرة من الشباب رحلوا، وآلاف العائلات فقدت أبناءها، وانتشرت بين الناس حالات اليُتم والترمّل والإعاقة والنزوح. وفي المقابل، جعل الانهيار الاقتصادي والهجرة وتراجع فرص العمل وتكاليف الحياة المرتفعة تكوين الأسرة حلماً صعباً بالنسبة إلى جيل كامل.
هذه ليست مجرد خسائر عابرة في معركة هنا أو هناك، بل هي أزمة وجود اجتماعي. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بما تملكه من أدوات القوة، بل بما يبقى لديها من طاقة بشرية قادرة على حمل المستقبل. وحين يصبح الشباب هم الثمن الدائم للمشاريع السياسية، فإن السؤال لا يعود عن الانتصار في معركة، بل عن مصير مجتمع بأكمله.
لقد آن الأوان لمن يملكون قرار السلم والحرب أن يواجهوا الحقيقة بعيداً عن الحسابات الحزبية والشعارات الكبرى: لا قيمة لأي زعامة إذا كان ثمنها مجتمعاً منهكاً، ولا قيمة لأي حزب إذا كان بقاؤه مرتبطاً بتراجع قدرة الناس على البقاء.
المشكلة ليست في مبدأ الدفاع عن الأرض أو حماية المجتمع، فهذا حق مشروع لكل شعب، بل في اللحظة التي يتحول فيها السلاح من وسيلة لحماية الناس إلى سبب دائم لاستنزافهم. عندها يصبح السؤال الأخلاقي والسياسي مشروعاً: هل ما زال هذا السلاح يخدم المجتمع، أم أن المجتمع بات يدفع ثمن استمراره؟
إن أعظم مسؤولية تقع اليوم على عاتق القيادات ليست إثبات قدرتها على خوض الحروب، بل إثبات قدرتها على حماية الحياة. فالشجاعة ليست دائماً في المواجهة، بل أحياناً في اتخاذ قرار يوقف النزيف عندما يصبح استمرار المواجهة تهديداً لمن يُفترض أنها تُخاض من أجلهم.
قد تخسر الأحزاب نفوذاً، وقد تتراجع الزعامات، وقد تكون التسويات مؤلمة، لكن التاريخ لا يرحم من يضحّي بشعبه للحفاظ على موقعه. فالسلطة التي لا تحفظ الإنسان تفقد معناها، والمشروع الذي لا يحمي مجتمعه يتحول إلى عبء عليه.
قبل أن يصبح المجتمع مجرد ذاكرة في سجلات الحروب، وقبل أن تتحول القرى إلى أماكن تسكنها صور الراحلين أكثر مما يسكنها الأحياء، يجب أن يُطرح السؤال بلا خوف:
أيّ مشروع سياسي هذا الذي يحتاج إلى فناء أهله كي يبقى؟












