خرج النائب عن «الثنائي الشيعي» علي خريس عبر شاشة التلفزيون ليُتحف اللبنانيين بجرعة جديدة من «خيبة الأمل»، متسائلاً باستغراب كيف خرج المجتمعون في روما بنتيجة معاكسة لتوقعاتهم، وكيف لم يُفصّل المفاوض اللبناني سلة من الانسحابات الإسرائيلية كما كانوا يشتهون. عفواً سعادة النائب، ولكن قبل أن تُسائلوا الدولة وتُحاسبوا المفاوض، حاسبوا أنفسكم أولاً. وقبل أن تسألوا لماذا لم تنسحب إسرائيل من روما، اسألوا أنفسكم: لماذا وصلت إسرائيل أصلاً إلى هذه المواقع؟ وكيف عاد الاحتلال إلى الجنوب؟ ولماذا تُهجّر عائلاتنا وتُدمّر قرانا، فيما يُطلب من اللبناني أن يصفّق مجدداً للمعادلات نفسها التي أوصلته إلى هذه النتيجة؟
أنتم، كتنظيمات وثنائي سياسي، أمضيتم سنوات تفرضون أنفسكم على اللبنانيين باعتباركم «القوة المطلقة» التي تردع العدو وتحمي الحدود وتصنع موازين المنطقة. أنتم من صدّعتم رؤوس الناس بالمعادلات، من «الضاحية مقابل تل أبيب» إلى الجنوب مقابل حيفا، مروراً بقواعد اشتباك قيل إنها ستُركع إسرائيل وتمنعها من فرض إرادتها على لبنان. بل سمع اللبنانيون وعوداً أكبر من ذلك بكثير، عن قوة قادرة خلال «سبع دقائق ونصف» على محو إسرائيل. حسناً، ماذا كانت النتيجة بعدما جررتم البلد إلى «حرب الإسناد»؟ الخراب عندنا، والتهجير عندنا، والقرى المدمرة عندنا، واللبنانيون هم الذين دفعوا الثمن، فيما الاحتلال الإسرائيلي ما زال موجوداً على أرضنا. فأين ذهبت كل تلك المعادلات؟ وأين ذهبت «تل أبيب مقابل الضاحية»؟ وأين النصر والتحرير اللذان وُعدنا بهما طوال سنوات؟
لا يمكنكم في كل مرة أن تخوضوا الحرب بقرار منفرد خارج مؤسسات الشرعية، وعندما تأتي النتائج الكارثية والميدانية المريرة، تخرجون على الشاشات لتقولوا إن الدولة لم تفعل ما يكفي وإن المفاوض قصّر. عن أي دولة تتحدثون؟ عن الدولة التي صادرتم قرارها السيادي؟ أم عن الدولة التي أبقيتم قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها، وجعلتموها عاجزة أمام سلاحكم، ثم تطلبون منها اليوم أن تصنع المعجزات أمام إسرائيل في روما؟ هذه ليست دولة قصّرت فقط؛ هذه دولة جرى خطف قرارها لسنوات، ثم طُلب منها أن تنظّف آثار رهانات عسكرية وسياسية لم تكن هي صاحبة القرار الوحيد فيها. فكيف تريدون من الدولة أن تنتزع على طاولة المفاوضات ما قلتم أنتم إن سلاحكم قادر على انتزاعه في الميدان؟
والأسئلة اليوم ليست أسئلة خصوم سياسيين ولا مزايدات حزبية، بل هي أسئلة الناس الذين دفعوا ثمن حروبكم من بيوتهم وأرزاقهم وأمنهم وحياة أبنائهم. ماذا فعلتم أنتم لإزاحة العدو الإسرائيلي؟ ماذا حميتم بكل تلك الترسانة التي قيل إنها وُجدت لحماية لبنان والجنوب؟ وماذا بقي من كل تلك المعادلات التي بيعَت للبنانيين على أنها ضمانة للسيادة والتحرير؟ كيف يمكن أن تُقدَّم كل هذه السنوات من السلاح والحروب باعتبارها مشروع حماية، ثم تكون النتيجة أن الجنوب يُهجّر، والقرى تُدمّر، والاحتلال يبقى، وبعد ذلك كله يُطلب من اللبناني أن يصدق أن المشكلة تكمن فقط في أداء الدولة؟
والأغرب أن تخرجوا اليوم للحديث عن مفاوضات روما وكأنكم كنتم تنتظرون من «الدولة العاجزة»، بحسب خطابكم، أن تحقق على الطاولة الدبلوماسية ما عجزت «معادلاتكم القتالية» عن تحقيقه بالقوة على الأرض. فإذا كانت الدولة عاجزة إلى هذا الحد، فلماذا صادرتم قرارها؟ وإذا كانت المفاوضات هي الطريق، فلماذا أبقيتم لبنان سنوات طويلة أسير منطق القوة والحرب؟ وإذا كان السلاح هو الطريق إلى التحرير، فلماذا لم يُنتج التحرير؟ لا يمكن أن يكون السلاح صاحب الفضل في كل ما تعتبرونه إنجازاً، ثم تصبح الدولة وحدها مسؤولة عن كل ما تعتبرونه فشلاً.
في عام 2026، لم يعد بإمكانكم بيع اللبنانيين السردية نفسها، ولن ينفع الاختباء خلف تقصير الدولة كلما ساءت النتائج. لقد سمع اللبنانيون ما يكفي عن الردع، والمعادلات، والانتصارات، وتغيير قواعد الاشتباك، ثم رأوا بأعينهم نتائج هذه الشعارات على أرض الجنوب. من امتلك قرار الحرب، عليه أن يملك شجاعة الاعتراف بالنتيجة. ومن وعد بالردع والتحرير، عليه أن يواجه الناس بالحقيقة: أين التحرير؟ وكيف أصبح التهجير والدمار والاحتلال جزءاً من الواقع الذي يعيشه اللبنانيون؟
حاسبوا الدولة كما تشاؤون، فهذا حقكم وحق كل لبناني، لكن قبل ذلك حاسبوا أنفسكم. حاسبوا سنوات القرار المنفرد، وحاسبوا الحروب التي أُدخل لبنان فيها، وحاسبوا الوعود التي قُدّمت للناس على أنها ضمانة أكيدة، ثم قارنوا بينها وبين النتيجة التي يعيشها اللبنانيون اليوم. أما أن تُشعلوا النار، ثم تقفوا فوق الرماد لتسألوا لماذا لم تنجح الدولة في إطفاء الحريق، فهذه ليست محاسبة، بل محاولة للهروب من المسؤولية. ومن أشعل النار، عليه أن يملك على الأقل شجاعة الاعتراف بأنه كان جزءاً من الحريق، لا أن يقف فوق الركام متقمصاً دور رجل الإطفاء.












