لم يمض وقت طويل على الفوز الواسع الذي حققه الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، حتى بدأت التباينات تطفو على سطح الحزب بشأن كيفية ترجمة هذا الانتصار إلى أجندة سياسية وتشريعية. فبينما تدفع قيادات الحزب نحو وضع الأزمات الاقتصادية والمعيشية في صدارة الأولويات، تطالب أصوات أخرى بتصعيد المواجهة مع الرئيس دونالد ترامب، وتوسيع نطاق الرقابة على إدارته، بما في ذلك فتح تحقيقات قد تفضي إلى مساعٍ لعزله.
وبحسب تقرير لوكالة «رويترز» نشرته الخميس، فإن استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ أعادت فتح النقاش داخل الحزب بشأن طبيعة التفويض الذي منحهم إياه الناخبون، وما إذا كان هذا الانتصار يعكس رغبة في إحداث تحولات اقتصادية واجتماعية واسعة، أم أنه يرتبط أساساً بتطلعات الأميركيين إلى تحسين أوضاعهم المعيشية.
وعلى الرغم من الإجماع داخل الحزب على ضرورة مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، فإن التباينات لا تزال واضحة بين التيار التقليدي والمعتدل من جهة، والجناح التقدمي، الذي تقوده وجوه جديدة تطالب بإصلاحات أكثر عمقاً، من جهة أخرى. ولا يقتصر الخلاف على حجم التغيير المطلوب، بل يشمل أيضاً طبيعة المواجهة التي ينبغي خوضها مع إدارة ترامب.
وتتقدم قائمة الملفات التي تحظى بتوافق نسبي داخل الحزب مساعي خفض تكاليف التأمين الصحي، والتراجع عن بعض التخفيضات التي أقرتها إدارة ترامب في برنامج «ميديكيد» المخصص لذوي الدخل المحدود، وإنهاء الرسوم الجمركية المثيرة للجدل، فضلاً عن العمل على وقف الحرب في إيران.
وفي هذا السياق، وصف زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر نتائج الانتخابات بأنها تحول سياسي ستكون له تداعيات تمتد لأجيال، لكنه حذّر من التعامل معها باعتبارها تفويضاً مطلقاً يتيح للحزب تمرير ما يشاء من تشريعات.
وقال شومر خلال مؤتمر صحافي الأربعاء: «لم يمنحنا هؤلاء الناخبون الأغلبية لكي نفعل ما يحلو لنا».
ويتفق شومر مع زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز على وضع أزمة تكاليف المعيشة في مقدمة أولويات الحزب، مع بدء الدورة الجديدة للكونغرس في كانون الثاني المقبل. وفي المقابل، أبدى جيفريز تحفظاً حيال فتح ملف عزل ترامب في الوقت الراهن، مشيراً إلى أن أياً من أعضاء الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب لم يطرح معه هذا الموضوع.
ويرى ديمقراطيون أن النتائج الانتخابية حملت رسالة رفض واضحة لسياسات ترامب، غير أن خبراء استراتيجيين في الحزب سبق أن حذّروا خلال الحملات من أن الاكتفاء بمعارضة الرئيس لن يكون كافياً، ما لم يقترن ببرنامج سياسي واضح يستجيب للأزمات اليومية التي يواجهها الأميركيون.
وتبدو الرعاية الصحية من أبرز الملفات التي ستختبر قدرة الأغلبية الجديدة على تحويل وعودها إلى خطوات عملية. فقد سمح الجمهوريون، العام الماضي، بانتهاء الدعم المالي الموسّع لبرنامج التأمين الصحي «أوباماكير»، الذي أُقر خلال جائحة كورونا.
ووفقاً لـ«رويترز»، تسبب انتهاء الدعم في زيادة أقساط التأمين الصحي بأكثر من 50%، الأمر الذي دفع ملايين الأميركيين إلى التخلي عن خطط التأمين الخاصة بهم قبل أشهر من الانتخابات.
وتراهن القيادة الديمقراطية على إمكانية كسب تأييد بعض الجمهوريين لتمديد المساعدات المخصصة لـ«أوباماكير»، وإلغاء التخفيضات التي طالت «ميديكيد»، بما يضع ترامب أمام كلفة سياسية أكبر إذا قرر استخدام حق النقض لإسقاط هذه الإجراءات.
لكن الجناح التقدمي لا يرى في هذه الخطوات ما يكفي، ويدفع باتجاه تبني نظام «ميديكير فور أول» للرعاية الصحية الشاملة، القائم على إحلال نظام حكومي محل معظم برامج التأمين الصحي الخاصة.
وفي هذا الإطار، حذّر النائب الديمقراطي الجديد راندي فيليغاس، الذي انتزع مقعداً من الجمهوريين في ولاية كاليفورنيا، من الاكتفاء بمعالجات محدودة، داعياً الحزب إلى طرح رؤية أكثر طموحاً أمام الناخبين، تتضمن الالتزام بالنضال من أجل توفير رعاية صحية شاملة.
ولا تتوقف الانقسامات عند حدود السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بل تمتد إلى شكل المواجهة السياسية مع الإدارة الجمهورية. فرغم أن القيادة الديمقراطية لم تكشف حتى الآن عن خطة محددة لفتح تحقيقات مع ترامب، أظهرت مقابلات أجرتها «رويترز» مع أعضاء جدد وعائدين إلى الكونغرس وجود اتفاق واسع على ضرورة تشديد الرقابة على الإدارة، والتصدي لتنامي نفوذ الشركات الكبرى والأموال الضخمة في الحياة السياسية.
وفي هذا الإطار، دعا السيناتور الديمقراطي عن ولاية ماريلاند كريس فان هولن إلى الجمع بين محاسبة إدارة ترامب على ما وصفه بـ«الفساد الصارخ»، والعمل على إنهاء الحرب في إيران، وتقديم برنامج اقتصادي يستجيب لمطالب الطبقة العاملة.
وشدد فان هولن على ضرورة عدم تردد الديمقراطيين في مواجهة الشركات الكبرى والمليارديرات وجماعات المصالح الخاصة، معتبراً أن هذه الجهات تتحمل، في نظر الناخبين، جانباً من المسؤولية عن تفاقم الأعباء المعيشية.
غير أن الانتقال من الشعارات إلى الإجراءات يكشف عن تباينات إضافية، خصوصاً في ما يتعلق بفرض ضرائب على أصحاب الثروات الكبرى. فبينما يؤيد فان هولن وعدد من الديمقراطيين زيادة الضرائب على المليارديرات، رفض ناخبو كاليفورنيا، الثلاثاء، مقترحاً لفرض ضريبة استثنائية لمرة واحدة بنسبة 5% على صافي ثرواتهم، وهو المقترح الذي عارضه أيضاً حاكم الولاية الديمقراطي غافين نيوسم.
وفي موازاة ذلك، يتصاعد الجدل بشأن إصلاح نظام تمويل الحملات الانتخابية، بعد الإنفاق الضخم الذي شهدته الانتخابات من جانب رجال أعمال وشركات وجماعات ضغط.
وقال السيناتور المنتخب عن ولاية تكساس جيمس تالاريكو، الذي واجه حملة انتخابية مضادة أنفق خلالها الملياردير إيلون ماسك نحو 230 مليون دولار، إن التفويض الانتخابي الذي حصل عليه الديمقراطيون ينبغي أن يشمل إصلاح تمويل الحملات، والعمل على إخراج الأموال الضخمة من دائرة التأثير السياسي.
وعلى خط موازٍ، بدأت النقابات العمالية ومنظمات الدفاع عن حقوق المهاجرين والحريات المدنية تكثيف ضغوطها على القيادات الديمقراطية، سعياً إلى إدراج مطالبها ضمن جدول أعمال الكونغرس الجديد.
وتتضمن هذه المطالب فرض قيود على استخدام القوة من جانب مسؤولي الهجرة الاتحاديين، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 17 دولاراً في الساعة، بدلاً من مستواه الحالي البالغ 7.25 دولارات، والذي لم يشهد زيادة منذ عام 2009، إلى جانب توسيع خدمات رعاية الأطفال.
وتستند هذه المنظمات في تحركاتها إلى بيانات تقول إنها تعكس عودة قطاعات من الناخبين المنتمين إلى الأقليات لدعم الديمقراطيين، بعدما اتجه بعضهم نحو الجمهوريين في انتخابات عام 2024.
وفي قراءته للنتائج، وصف فان هولن الانتصار الديمقراطي بأنه استثنائي من حيث اتساعه وتأثيره، مشيراً إلى أن انتخابات التجديد النصفي تتحول عادة إلى استفتاء على أداء الحزب الحاكم، لكنها حملت هذه المرة، إلى جانب ذلك، رسالة تطالب بتغيير النهج السياسي.
ومع اقتراب موعد تسلّم الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الكونغرس في كانون الثاني المقبل، تتجه الأنظار إلى قدرتهم على إدارة التناقضات داخل صفوفهم، والتوفيق بين المطالب المعيشية للناخبين، وطموحات الجناح التقدمي، والدعوات إلى محاسبة إدارة ترامب. فالأغلبية الجديدة التي خرجت من صناديق الاقتراع بانتصار واسع تجد نفسها أمام اختبار لا يتعلق فقط بقدرتها على مواجهة خصومها، بل أيضاً بمدى قدرتها على الاتفاق على ما تريد تحقيقه.













