في التاريخ، لا تسقط الإمبراطوريات عادةً في اللحظة التي تبدو فيها ضعيفة، بل تبدأ رحلة انهيارها عندما تقتنع بأنها بلغت ذروة قوتها. فعندما يصبح السلاح أولوية مطلقة، ويتراجع الاقتصاد، وتُستنزف الموارد في ساحات النفوذ الخارجية، تبدأ الشقوق بالظهور من الداخل، حتى وإن بدت الجدران الخارجية صلبة. وهذا ما يجعل المقارنة بين إيران اليوم والاتحاد السوفيتي قبل انهياره ليست مجرد تشابه في الظروف، بل محاولة لفهم ما إذا كانت المنطقة تشهد تكرارًا لتجربة تاريخية بأسماء مختلفة.
لم يسقط الاتحاد السوفيتي لأنه خسر حربًا عسكرية شاملة، بل لأنه خسر معركة الاقتصاد. لعقود طويلة، استثمرت موسكو الجزء الأكبر من مواردها في سباق التسلح، وفي بناء ترسانة نووية هائلة، وتمويل الحلفاء، وإدارة الصراعات الممتدة من أوروبا الشرقية إلى آسيا وإفريقيا. كانت القوة العسكرية السوفيتية مصدر هيبة عالمية، لكنها تحولت في الوقت نفسه إلى عبء اقتصادي هائل استنزف الدولة عامًا بعد عام.
في المقابل، تراجع مستوى المعيشة، وازدادت طوابير الانتظار للحصول على المواد الأساسية، وانخفض الإنتاج، وتراكمت الأزمات الداخلية. كان المواطن السوفيتي يرى بلاده تنافس الولايات المتحدة في الفضاء والصواريخ، لكنه يعاني للحصول على احتياجاته اليومية. وعندما يصل المواطن إلى مرحلة يشعر فيها أن قوة الدولة لا تنعكس على حياته، تبدأ شرعية النظام بالتآكل، مهما كانت قدرته الأمنية.
هذا المشهد يفرض نفسه اليوم عند النظر إلى إيران. فمنذ سنوات، وضعت طهران مشروعها الإقليمي في صدارة أولوياتها، وأنفقت موارد ضخمة على تطوير الصناعات العسكرية، وبرامج الصواريخ، والطائرات المسيّرة، ودعم حلفائها في عدة ساحات. وفي المقابل، واجه الاقتصاد الإيراني تضخمًا مرتفعًا، وتراجعًا في قيمة العملة، وعقوبات متراكمة، وارتفاعًا في معدلات البطالة، وتراجعًا في القدرة الشرائية للمواطن.
قد يمنح السلاح الدولة قدرة على الردع، لكنه لا يستطيع وحده بناء اقتصاد قوي، ولا توفير فرص العمل، ولا استعادة ثقة الشارع عندما تتراكم الأزمات. وهذه كانت إحدى أكبر مشكلات الاتحاد السوفيتي، وقد تكون اليوم إحدى أكبر التحديات أمام إيران.
لكن التشابه لا يتوقف عند الاقتصاد. فكما اعتمد الاتحاد السوفيتي على شبكة واسعة من الدول الحليفة لتوسيع نفوذه، بنت إيران خلال العقود الماضية شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة في المنطقة، واعتبرت أن هذا الامتداد يشكل خط دفاعها الأول. غير أن التاريخ يثبت أن الحفاظ على النفوذ الخارجي يحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويله باستمرار، وإلا تحول النفوذ إلى عبء بدلاً من أن يكون مصدر قوة.
ومن هنا تأتي أهمية الورقة السورية. فقد شكّلت سوريا لعقود الحلقة الأساسية في المشروع الإقليمي الإيراني، والمعبر الجغرافي والسياسي الذي يربط طهران بساحل البحر المتوسط، ويمنحها قدرة على التأثير في ملفات المنطقة. لكن خسارة هذه الورقة بشكل نهائي تعني أكثر من مجرد تراجع في النفوذ؛ إنها تعني سقوط أحد أهم الأعمدة التي بُني عليها المشروع الإقليمي الإيراني طوال سنوات.
وهنا يبرز التشابه مع الاتحاد السوفيتي بصورة أوضح. فقبل انهياره، لم يفقد موسكو عاصمتها ولا جيشها، بل بدأت تخسر تدريجيًا الدول التي كانت تدور في فلكها، وتراجعت قدرتها على فرض إرادتها في أوروبا الشرقية، ثم فقدت السيطرة السياسية على محيطها، إلى أن أصبحت عاجزة عن المحافظة على منظومة النفوذ التي كانت تُعد مصدر قوتها.
النفوذ الخارجي ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو عنصر من عناصر هيبة الدولة. وعندما تبدأ هذه الهيبة بالتراجع، تتغير حسابات الحلفاء قبل الخصوم. فالحليف الذي يعتقد أن القوة الراعية لم تعد قادرة على حمايته يبدأ بالبحث عن بدائل، وهذا ما يسرّع عملية الانكماش السياسي.
إلى جانب ذلك، تواجه إيران اليوم ضغوطًا متراكمة على أكثر من مستوى. فالعقوبات الاقتصادية لم تعد مجرد إجراءات مالية، بل أصبحت تؤثر في الاستثمار، والإنتاج، والتجارة، والقدرة على تحديث الاقتصاد. ومع كل أزمة جديدة، يصبح من الأصعب تعويض الخسائر أو تمويل المشاريع الخارجية بالمستوى نفسه.
وهذا أيضًا يعيد إلى الأذهان التجربة السوفيتية. فالاتحاد السوفيتي لم ينهَر بسبب عامل واحد، بل نتيجة تراكم عوامل متعددة؛ اقتصاد يضعف، سباق تسلح يستنزف الموارد، نفوذ خارجي يتراجع، وثقة داخلية تتآكل. كل عامل بمفرده لم يكن كافيًا لإسقاط الدولة، لكن اجتماعها في وقت واحد جعل الانهيار مسألة وقت.
ومع ذلك، فإن التاريخ لا يكرر نفسه بصورة حرفية. فإيران ليست الاتحاد السوفيتي، ولكل دولة ظروفها السياسية والاجتماعية والاقتصادية الخاصة. كما أن النظام الإيراني يمتلك أدوات مختلفة لإدارة الأزمات، ويستند إلى بنية سياسية وأمنية تختلف عن النموذج السوفيتي. لذلك فإن المقارنة لا تعني الجزم بأن النهاية ستكون متطابقة، بل تهدف إلى قراءة المؤشرات التي قد تقود إلى مسارات متشابهة.
لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن أي دولة تجعل أولويتها الدائمة التوسع العسكري على حساب التنمية الاقتصادية، وتربط قوتها بنفوذ خارجي مكلف، تصبح أكثر عرضة للاهتزاز عندما تتغير موازين القوى. فالقوة العسكرية تستطيع تأخير الأزمات، لكنها لا تستطيع إلغاء قوانين الاقتصاد.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت إيران ما زالت تمتلك قوة عسكرية أو نفوذًا إقليميًا، بل ما إذا كانت تستطيع المحافظة على هذه القوة بالوتيرة نفسها في ظل الضغوط الاقتصادية، وتراجع بعض أوراقها الاستراتيجية، وتبدل البيئة الإقليمية والدولية.
التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تنهار في يوم واحد، بل تبدأ بالسقوط عندما تصبح كلفة المحافظة على نفوذها أكبر من قدرتها على تحمله. وعندما تصل الدولة إلى مرحلة تنفق فيها على تثبيت نفوذها أكثر مما تنفق على تحسين حياة مواطنيها، فإن بداية التراجع تكون قد بدأت بالفعل، حتى لو لم تظهر نتائجها كاملة بعد.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستسقط إيران غدًا؟ بل: هل دخلت المسار الذي سبق أن سلكه الاتحاد السوفيتي، حيث بدأ الانكماش الاقتصادي والسياسي يسبق الانهيار النهائي بسنوات؟ وحدها الاحداث المقبلة ستجيب عن هذا السؤال، لكن التاريخ يذكرنا دائمًا بأن الدول التي تتجاهل دروس من سبقها، كثيرًا ما تعيد كتابة النهاية نفسها.










