حطّ الأردن وشاح الحزن والحداد، وهو لا يزال يلملم جراحه من هجوم المتطرفين التكفيريين الحثالة، بعدما طالت رصاصاتهم الإرهابية الغادرة والمجرمة كنيسة حمود في محافظة الكرك، وأسفرت عن سقوط عشرات الأبرياء المدنيين العزّل بين قتيل وجريح. وما هي إلا أيام معدودة حتى ألقت سلطات الأمن الأردنية القبض عليهم، وعلّق العاهل الأردني عبدالله الثاني على اعتقال المجرمين قائلاً: «لن يفلت من العقاب أي صاحب فكر يفرّق بين الأردنيين».
وسط هذا المشهد المأساوي، وفي أجواء منطقة ملبّدة باحتمالات حرب أميركية إسرائيلية على إيران، قد تندلع في أي وقت بعد الاستحقاقين الإسرائيلي والأميركي، وعلى مبدأ المثل القائل الذي يتبعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب: «فرجيه العصاية ولا تضربه»، لا يزال التراشق الدبلوماسي والسياسي بين «الشيطان الأكبر» و«محور الشر» جارياً على قدم وساق، في مشهد يشدّ أعصاب العالم وأنظاره نحو الولايات المتحدة الأميركية والخيارات العسكرية التي تستعد لها في حال قررت ضرب إيران.
وبعد إطلاق شعارات العنتريات والانتصارات المظفّرة للحزب الإيراني: «لقّونا، لقّونا، وشوفوا كيف منربح»، و«ما حدا يجرّبنا»، وضمن أجواء ديمقراطية الاحتلال، وضع الجيش الإسرائيلي صناديق اقتراع مخصّصة لجنوده وضباطه في الانتخابات الإسرائيلية داخل منازل سكنية ومواقع عسكرية في مناطق عدة بجنوب لبنان، مثل زوطر الشرقية وبنت جبيل والناقورة والخيام، للإدلاء بأصواتهم هناك.
وفي خطوة رسمية سابقة من نوعها، وبعد سنوات من الغياب والتهميش الرسمي لعاصمة الفقراء، التي عانت سابقاً من تفلّت السلاح ومواجهات مسلّحة بين أشقاء البيت الواحد في جبل محسن وباب التبانة، وفي رسالة سيادية وسياسية ومؤسساتية واضحة، حطّ الرئيس جوزاف عون وموكبه الرسمي رحالهما صباح السبت الماضي في عاصمة الشمال وخزان المؤسسة العسكرية، طرابلس. وتفقّد الرئيس سراي المدينة وقصر العدل والمرفأ، وعرّج على معرض رشيد كرامي الدولي، ثم اطّلع على احتياجات المدينة وأهلها ومؤسساتها، واعداً بوقوف الدولة اللبنانية إلى جانبهم وحرصها على أمنهم واستقرارهم وحقهم بالعيش الكريم، أسوة بباقي المناطق، قائلاً: «إن زمن التهميش والإقصاء ولّى».
وتزامناً مع زيارة الرئيس إلى عاصمة الشمال طرابلس، وعلى مبدأ «إنّا على العهد باقون»، ظهر تطور لافت ومثير للجدل والنفاق: تعهّدات وتطمينات جديدة نقلها حزب الله الإيراني إلى «الأخ الأكبر» الرئيس بري، مفادها أنه لن ينخرط هذه المرة في أي حرب إسناد دفاعاً عن إيران. غير أن هذا التعهّد والتطمينات التي قدّمها الحزب إلى بري تبقى موضع شك، في ضوء سجل الحزب الإيراني الحافل بالتعهّدات والتطمينات المخادعة والوعود المنكوثة. كما تعيد إلى الأذهان ما حصل سابقاً، حين قدّم الحزب إلى «الأخ الأكبر» تعهّداً وضمانة وتطميناً مماثلاً بعدم التدخّل، قبل أن يعود ويبصق تعهّده، ويطلق خطيئة الصواريخ الستة باتجاه إسرائيل، رداً وثأراً لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.
وسط كل هذه الظروف والمستجدات السياسية والعسكرية والأمنية، الإقليمية منها والمحلية، لا يزال ملف شحنة المتفجّرات يشغل الوسط القضائي والسياسي على الساحة اللبنانية، خصوصاً بعدما شهدت كواليس الجلسة الحكومية الأخيرة اتصالات مكثفة قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، سعياً إلى تأجيل إحالة ملف شحنة متفجّرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي. وهذا ما تحقق بالفعل، على حساب السيادة اللبنانية ومصداقية شرعيتها وعدالة الأمن القومي اللبناني، وخضوعاً لقانون الميليشيات المذهبية والعصابات المسلحة للثنائي الشيعي، بعدما داسوا بأقدامهم على الأعراف والقوانين والدساتير اللبنانية.
وبذريعة عُدّت مخالفة واضحة لقانون الجمهورية اللبنانية ولمبنى قصر العدل وشعاره «العدل أساس الملك»، وبحجة البروباغندا المعتادة عن انزلاق البلاد إلى فتنة داخلية وأزمة سياسية وأمنية محتدمة وإشعال فتيل التفجير الحكومي، جرى التريّث والتأجيل في إحالة ملف شحنة متفجّرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي.
عام 1994، قامت أجهزة الاستخبارات الجوية السورية، وبأيدٍ لبنانية معروفة الولاء والانتماء لسوريا الأسد ولمحور الممانعة، بتفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل بعد تفخيخها، وأُلصقت تهمة التفجير برئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع. حينها، لم يمضِ على تفجير الكنيسة أكثر من ثلاثة أيام حتى أُحيل الملف مباشرة إلى المجلس العدلي، وبناءً على إشارة من المدعي العام العسكري، اعتُقل جعجع وحُكم عليه بالسجن المؤبد من قبل الدولة اللبنانية التي كان نظام حافظ الأسد يسرح ويمرح في فضائها.
وقتها، لم تحدث فتنة مذهبية مسيحية أو مارونية، ولم تنزلق البلاد إلى فتنة داخلية أو أزمة سياسية وأمنية محتدمة، كما لم تتأثر الحكومة بأي فتيل تفجير سياسي. وذلك قبل أن يُفرج عن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عام 2005، بعد 11 سنة من اعتقاله وسجنه تعسفياً، رغم صدور حكم ببراءته من قضية تفجير الكنيسة عام 1996.
ختاماً، وعلى مبدأ «ناس بسمنة وناس بزيت»، فإن متفجّرة كنيسة سيدة النجاة شبيهة تماماً بشحنة متفجّرات ضهر البيدر. مارست العدالة اللبنانية صلاحياتها باستنسابية: وضعت متفجّرة كنيسة سيدة النجاة تحت سقف القانون، فيما رفعت شحنة متفجّرات ضهر البيدر فوق سقف القانون، بعد الترهيب والترغيب من قبل قوى الأمر الواقع في حزب الثنائي الشيعي المذهبي، الخارج عن العدالة والقانون.











