تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولًا قد يكون الأعمق منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979. فما يتعرض له النظام الإيراني اليوم لا يقتصر على ضغوط عسكرية أو سياسية، بل يلامس الأسس التي قام عليها مشروعه الإقليمي، القائم على تصدير الثورة، وتوسيع النفوذ عبر الميليشيات، وإدارة الصراعات بالوكالة.
يمكن القول إن المشروع الإيراني تلقى خلال العقود الماضية هزيمتين استراتيجيتين. الأولى كانت عام 1988 عندما اضطر الخميني إلى قبول وقف إطلاق النار مع العراق بعد حرب استنزفت إيران ثماني سنوات وانتهت من دون تحقيق أهدافها، فوصف القرار يومها بأنه «تجرع كأس السم». أما الثانية، فتمثلت في التراجع الكبير الذي أصاب نفوذ طهران في سورية، بعدما فقدت كثيرًا من أوراق القوة التي راكمتها طوال سنوات الحرب. وإذا استمر النظام في النهج نفسه، فقد يجد نفسه أمام هزيمة ثالثة، ولكن هذه المرة على يد محيطه العربي الذي بات ينظر إلى المشروع الإيراني بوصفه مصدرًا دائمًا لعدم الاستقرار.
لقد بدّد النظام الإيراني، بسياساته، ما تبقى من الثقة مع جواره العربي. فكلما تعرض لضربة أمريكية أو إسرائيلية، سعى إلى توسيع دائرة الأزمة عبر استهداف دول الخليج أو تهديد أمنها وممراتها الحيوية، وكأن رسالته الدائمة أن استقرار المنطقة مرهون بقبول نفوذه. غير أن هذه المعادلة بدأت تنقلب عليه، بعدما أدركت عواصم عربية أن سياسة الاحتواء والحياد لم تعد كافية لردع مشروع لا يتوقف عن اختبار حدود القوة.
ولذلك تبدو التحولات الأخيرة في المواقف الخليجية أكثر من مجرد ردود فعل ظرفية؛ فهي تعكس إعادة تقييم استراتيجية لطبيعة التهديد الإيراني. فالحياد الذي كان خيارًا سياسيًا مقبولًا في مراحل سابقة لم يعد خيارًا منخفض الكلفة، بل أصبح يفرض أثمانًا أمنية وسياسية متزايدة، الأمر الذي يدفع المنطقة إلى مقاربة مختلفة في التعامل مع طهران.
والمفارقة أن سلوك الحرس الثوري لا يخدم المصالح الإيرانية بقدر ما يمنح إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، مبررات إضافية لتوسيع نطاق المواجهة وجرّ الدول العربية إليها. وبهذا المعنى، فإن السياسات الإيرانية والإسرائيلية، رغم العداء المعلن بينهما، كثيرًا ما أفضت إلى نتائج متبادلة المنفعة، إذ وفر كل طرف للآخر الذريعة التي يحتاجها لتبرير سياساته وتوسيع نفوذه.
في المقابل، تبدو البيئة الإقليمية أقل استعدادًا من أي وقت مضى للتعايش مع نموذج يقوم على هيمنة الحرس الثوري أو استمرار نفوذ الميليشيات المرتبطة به في العراق ولبنان واليمن. فالدول العربية باتت تنظر إلى هذه البنية بوصفها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، لا مجرد امتداد لخلافات سياسية يمكن احتواؤها.
من هنا، قد لا يكون الحديث عن مرحلة إقليمية جديدة مجرد توقع سياسي، بل استنتاج يفرضه مسار الأحداث. فإذا واصل النظام الإيراني النهج ذاته، فإن عام 2027 قد يشهد بداية تراجع ملموس لنفوذه الإقليمي، وانحسارًا تدريجيًا لأذرعه العسكرية والسياسية، بما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط.
إنها، في جوهرها، ليست حربًا على الحدود أو النفوذ فحسب، بل مواجهة على طبيعة النظام الإقليمي المقبل. ولهذا تبدو حربًا طويلة وقاسية، قد تنتهي بإعادة رسم خرائط القوة في المنطقة، وربما بإسدال الستار على مرحلة هيمنت فيها إيران على جزء واسع من المشهد العربي عبر مشروع الميليشيات والحروب بالوكالة.










