بين #تل_أبيب التوسّعية التي تبتلع الأرض والحقوق، وبين #طهران الانتحارية التي تُقدّم شعوبها قرباناً على مذابح الأوهام والمذاهب، انبثقت من قلب #مكة المكرمة مظلّةٌ عاقلة لم تخرج من عباءة الشعارات الفارغة، ولا من أقبية الميليشيات، بل خرجت من عقلٍ سعوديٍّ صرف، أدرك قبل غيره أنّ الشرق إما أن يكون دولاً وطنية عاقلة، أو مقبرةً مفتوحة لأحقاد القرون.
ففي ٧ أغسطس/آب ٢٠٢٦، وقّعت #السعودية و #تركيا و #باكستان في الحرم المكي اتفاق الدفاع المشترك، الذي ينصّ على أنّ أيّ هجومٍ مسلّح على إحدى الدول الثلاث يُعدّ هجوماً على جميعها، على غرار المادة الخامسة من ميثاق الناتو، تتويجاً لمسارٍ رسمته الرياض بيدها منذ اتفاق الدفاع الاستراتيجي السعودي الباكستاني في سبتمبر/أيلول ٢٠٢٥، ثمّ قادته دبلوماسياً عبر مفاوضاتٍ ثلاثية استمرّت قرابة عام حتى اكتمل نصابها في أرض الوحي.
ولنكن واضحين منذ السطر الأول: هذا الاتفاق سعوديٌّ في جوهره، سعوديٌّ في مبادرته، سعوديٌّ في عنوانه ومكانه ورمزيته. لم تكن المملكة طرفاً مدعواً إلى طاولةٍ رسمها آخرون، بل كانت هي من صاغ الفكرة، ومن أدار الحوار، ومن اختار أن يكون الحرم المكي، لا أي عاصمةٍ أخرى، مسرحاً لتوقيع وثيقةٍ ستُعيد تشكيل موازين القوى في الإقليم بأسره. فالسعودية لا تملك فقط مشروعية قيادة العالم الإسلامي بحكم كونها حاضنة الحرمين الشريفين وقِبلة مليارٍ ونصف مليار مسلم، بل تملك أيضاً الإرادة السياسية والثقل الاقتصادي والرؤية الاستراتيجية التي حوّلت هذه المشروعية الروحية إلى فعلٍ سياسيٍّ ملموس على الأرض. فمن بنى ناطحات السحاب ومدن المستقبل، وقاد التحول الاقتصادي الأعمق في تاريخ المنطقة، هو نفسه من قاد اليوم أعمق تحوّلٍ أمني يشهده الشرق منذ عقود.
باكستان، الشريك الثاني في هذه المنظومة، تملك القنبلة النووية الإسلامية الوحيدة في العالم الإسلامي، مسنودةً بجيشٍ يزيد تعداده على مليون وسبعمائة ألف جندي، سلاحٌ ليس للتباهي في المسيرات ولا للتهديد عبر الوكلاء، بل رادعٌ حقيقيٌّ وضعته الرياض إلى جانب ثقلها الديني والاقتصادي في معادلةٍ واحدة.
وتركيا عضوٌ كامل العضوية في حلف الناتو، تمتلك ثاني أكبر جيشٍ دائم داخله، وصناعة دفاعية متطورة، فانضمّت هي الأخرى إلى مظلّةٍ قادتها السعودية بحكمة، لا بحكم القوة وحدها بل بحكم الشرعية التي لا يملكها أحدٌ سواها.
وهنا لا بدّ من توضيحٍ لا يحتمل اللبس ولا يقبل التأويل: هذا ليس تحالفاً طائفياً، وليس محوراً مذهبياً جديداً يُقابل محوراً مذهبياً قديماً. من يحاول تصويره كذلك إنما يسقط عليه أزمته الخاصة، أزمة من لا يفهم السياسة إلا من زاوية المذهب، ولا يرى الدول إلا من عدسة الطائفة.
اتفاق مكة قام على أساسٍ مختلفٍ جذرياً: على الدولة لا على الملة، وعلى المصلحة الوطنية لا على الهوية المذهبية، وعلى السيادة لا على الوصاية الدينية. فيه دولةٌ عربية، ودولةٌ آسيوية، ودولةٌ ذات امتدادٍ أوروبيٍّ أطلسي، اجتمعت لا لأنها تتفق على مذهبٍ واحد، بل لأنها تتفق على مبدأٍ واحد: أنّ الاستقرار لا يُبنى بالميليشيات، وأنّ الأمن لا يُشترى بالشعارات، وأنّ القوة الحقيقية تكمن في الدولة الوطنية المسؤولة أمام شعبها، لا في التنظيم العابر للحدود المسؤول أمام ولاءٍ خارجي.
فليتّعظ المحيط البائس الذي أدمن الطعن في كل إنجازٍ سعودي، وأدمن تفسير كل خطوةٍ رياضية بعدسة الحقد الطائفي، أنّ السعودية لم تعد تنتظر شرعيةً من أحد، بل باتت هي من يمنح الشرعية لمن يلتحق بمشروعها. فبينما ظلّ خصومها عقوداً يراهنون على الفوضى ويتغذّون على الأحقاد، كانت الرياض تبني، بصمتٍ وثباتٍ ورؤيةٍ ثاقبة، تحالفاً يجمع الشرعية الدينية بالردع النووي بالغطاء الأطلسي، في إنجازٍ دبلوماسيٍّ لم تحققه دولةٌ إقليمية أخرى في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
بين تل أبيب التي تتوسّع، وطهران التي تنتحر، اختارت مكة العقل، واختارت السعودية أن تكون قائدة هذا العقل لا تابعةً له. اختارت أن تصنع مظلّةً لا خنجراً، ودولةً لا ميليشيا، ومستقبلاً لا مقبرة. ومن لم يُدرك بعد أنّ زمام المبادرة في هذا الشرق انتقل نهائياً إلى يدٍ سعودية، فسيبقى يدور في حلقة الجنون نفسها، حتى يُدرك متأخراً جداً أنّ الأوهام لا تبني أوطاناً، وأنّ الحقد لا يصنع مكانةً كالتي صنعتها المملكة في هذا اليوم التاريخي.








