أثار وليد العمري، مدير مكتب قناة الجزيرة في فلسطين، مسألة تستحق التوقف عندها في قراءته للمشهد الانتخابي الإسرائيلي، حين أشار إلى دور أصوات اليهود الشرقيين، ولا سيما ذوي الأصول المغربية، في وصول بنيامين نتنياهو إلى السلطة واستمرار نفوذه الانتخابي.
وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من المفارقة التي طرحها العمري: كان أمام الناخبين اليهود المغاربة خيار سياسي آخر يتمثل في غادي آيزنكوت، ذي الأصول المغربية أيضاً، والذي فقد ابنه غال في حرب غزة، فضلاً عن فقدانه اثنين من أبناء إخوته. في المقابل، أثارت إقامة يائير نتنياهو، نجل رئيس الحكومة، في ميامي الأمريكية جدلاً واسعاً، وإن كانت بعض الروايات والصور المتداولة بشأن وجوده هناك قد خضعت للتصحيح والتحقق. ومع ذلك، فإن الأصل الإثني المشترك والتفاوت في التجربة الشخصية خلال الحرب لم يكونا كافيين، بحد ذاتهما، لضمان انتقال الأصوات إلى آيزنكوت.
وهنا يبرز السؤال: لماذا يصوّت بعض اليهود الشرقيين لنتنياهو ومعسكر اليمين، حتى عندما يظهر أمامهم مرشح من أصولهم الاجتماعية والثقافية؟
لا أعتقد أن الإجابة يمكن أن تُختزل في الحسابات الحزبية أو المصالح الاقتصادية وحدها؛ فثمة عامل اجتماعي ونفسي وتاريخي يستحق البحث، ويتصل بما يمكن تسميته قلق الانتماء والحاجة إلى إثبات الولاء داخل المجتمع الإسرائيلي.
أولاً: التمييز التاريخي وأزمة الاعتراف
ليس سراً أن المجتمع الإسرائيلي تأسس على تمايزات إثنية وثقافية بين اليهود الأشكناز، ذوي الأصول الأوروبية، واليهود الشرقيين، القادمين من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وقد وثّقت دراسات أكاديمية هذا التفاوت منذ العقود الأولى لتأسيس إسرائيل، حين تركزت مواقع النفوذ السياسي والإداري والاقتصادي في أيدي النخب الأشكنازية، بينما وُضع كثير من المهاجرين الشرقيين في مواقع اجتماعية واقتصادية أدنى، وعانوا من التمييز في فرص العمل والتعليم والسكن والتمثيل السياسي.
وتشير دراسة منشورة في مجلة Law & Social Inquiry إلى أن المؤسسات الإسرائيلية المبكرة تعاملت مع اليهود الشرقيين باعتبارهم جماعات تحتاج إلى الاندماج في الثقافة الأشكنازية المهيمنة، بل وإلى الابتعاد عن ماضيها العربي وثقافتها الأصلية. كما توثّق الدراسة احتجاجات وادي الصليب عام 1959، وصعود حركة الفهود السود الإسرائيلية عام 1971، بوصفهما محطتين بارزتين في الاحتجاج على التمييز الإثني والاجتماعي.
هذه الخلفية التاريخية مهمة لفهم العلاقة المعقدة بين اليهود الشرقيين والدولة؛ إذ لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في الأصول، بل بتاريخ من التراتبية الاجتماعية والصراع على الاعتراف والمكانة.
ثانياً: من التهميش إلى التماهي مع اليمين القومي
من الشواهد التاريخية اللافتة أن التحول الانتخابي الكبير عام 1977، حين تمكن حزب الليكود بقيادة مناحيم بيغن من إزاحة حزب العمل عن الحكم، ارتبط إلى حد بعيد بتنامي التأييد الشعبي لدى قطاعات من اليهود الشرقيين، الذين وجدوا في اليمين السياسي مساحة للاحتجاج على النخبة الأشكنازية التي هيمنت على مؤسسات الدولة.
لكن المفارقة أن هذا التحول لم يؤدِّ بالضرورة إلى تفكيك التراتبية الاجتماعية التي نشأت في العقود الأولى للدولة؛ بل ساهم في إعادة تشكيل التحالفات السياسية والهويات الانتخابية.
وفي هذا السياق، يقدم الباحث يوآف بيلد، في دراسته المنشورة عام 2026 بعنوان «صعود الشعبوية الإثنية القومية في إسرائيل 1977–2022: تحليل إثني طبقي»، تفسيراً متعدد العوامل لصعود اليمين الشعبوي. فهو يربط التأييد الذي تحظى به أحزابه لدى قطاعات واسعة من اليهود الشرقيين بمزيج من الاستياء التاريخي من هيمنة حزب العمل الأشكنازي، والتنافس على الموارد مع الفلسطينيين، والشعور بالتهديد الأمني، فضلاً عن التحولات الاقتصادية التي استفادت منها قطاعات من هذه الفئات في عهد نتنياهو.
وهنا يمكن طرح فرضية تستحق الاختبار: هل أصبح التماهي مع اليمين القومي، لدى بعض الشرائح الشرقية، وسيلة لتعويض شعور تاريخي بالتهميش، وإثبات الحضور داخل الجماعة الوطنية الإسرائيلية؟
ثالثاً: سيكولوجيا الانتماء وإثبات الذات
يمكن افتراض أن بعض اليهود الشرقيين يعيشون تناقضاً بين انتمائهم الثقافي والتاريخي من جهة، وبين حاجتهم إلى الاعتراف والاندماج في الهوية الإسرائيلية المهيمنة من جهة أخرى.
وفي ظل هذا التناقض، قد يتحول التشدد في الخطاب القومي والأمني إلى وسيلة لإثبات الولاء، وإظهار أن الانتماء إلى الدولة لا يقل رسوخاً عن انتماء النخب التي احتكرت تاريخياً مواقع النفوذ فيها.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة بعض مظاهر التشدد تجاه الفلسطينيين باعتبارها جزءاً من التنافس على تعريف الوطنية الإسرائيلية وحدود الانتماء إليها، لا مجرد تعبير عن موقف أيديولوجي أو ديني.
لكن ينبغي التمييز هنا بين تفسير السلوك السياسي وتبريره؛ فالتهميش التاريخي لا يبرر العنف، ولا يجعل التوجه نحو التشدد نتيجة حتمية له. كما لا يجوز تعميم هذه الفرضية على جميع اليهود الشرقيين، الذين تتباين مواقفهم السياسية والاجتماعية بصورة واضحة.
رابعاً: ماذا تقول البيانات الانتخابية؟
تقدم الدراسات الانتخابية شواهد مهمة على وجود ارتباط بين الأصول الإثنية والتصويت السياسي في إسرائيل.
ففي دراسة للاقتصادي مومي داهان بعنوان Voting Gap by Origin، تناولت أنماط التصويت لدى اليهود الشرقيين والأشكناز في عشرة استحقاقات انتخابية منذ مطلع الألفية، أظهرت النتائج تفاوتاً ملحوظاً في مستوى التصويت للكتل اليمينية بين المجموعتين، ووصلت الفجوة في انتخابات 2022 إلى خمسة أضعاف الفجوة المسجلة عام 2006.
لكن الدراسة نفسها تقدم نتيجة لا تقل أهمية: عندما جرى ضبط متغيري المستوى التعليمي ودرجة التدين، تراجعت الفجوة الانتخابية كثيراً أو اختفت. وهذا يعني أن العامل الإثني لا يعمل بصورة مستقلة، بل يتداخل مع البنية الطبقية والتعليمية والدينية.
وهذه النتيجة تدعونا إلى توسيع دائرة البحث، بدلاً من الاكتفاء بالتفسير النفسي أو الإثني.
خامساً: لماذا لا تكفي الأصول المغربية لآيزنكوت؟
تكتسب حالة غادي آيزنكوت أهمية خاصة؛ فوالداه قدما من المغرب، وهو نفسه نشأ في بيئة اجتماعية متواضعة، قبل أن يتدرج في المؤسسة العسكرية ويصل إلى رئاسة الأركان.
واللافت أن آيزنكوت تحدث في مقابلة صحافية عن أصول والديه المغربية، لكنه قال إنه لم يشعر بالتمييز داخل أسرته، وإن مسألة التمييز لم تكن حاضرة في تجربته العائلية بالطريقة التي يطرحها بعض الخطاب السياسي والإعلامي.
وهذا يكشف أن الأصل الإثني المشترك لا ينتج بالضرورة هوية سياسية مشتركة؛ فالناخب لا يصوّت لمن يشبهه في النسب أو الخلفية الاجتماعية فحسب، وإنما لمن تتقاطع مواقفه مع تصوراته الأمنية والدينية والاقتصادية والسياسية.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بكون آيزنكوت مغربياً أو بكونه فقد ابنه في الحرب، بل بمدى قدرة هويته السياسية وبرنامجه على منافسة الولاءات الحزبية والتاريخية التي ترسخت لدى قطاعات من الناخبين.
خاتمة: الانتماء بوصفه معركة اعتراف
إن المسألة التي أثارها وليد العمري تتجاوز المفاضلة بين نتنياهو وآيزنكوت، وتفتح باباً أوسع لدراسة العلاقة بين التراتبية الإثنية وصناعة الولاء السياسي في إسرائيل.
فهل يتبنى بعض اليهود الشرقيين خطاباً قومياً أكثر تشدداً لأنهم يجدون فيه وسيلة لإثبات اندماجهم في الدولة، وتجاوز إرث التمييز الذي تعرضوا له؟ وهل يتحول التشدد، في بعض الحالات، إلى رأسمال رمزي يُستخدم في معركة الاعتراف الاجتماعي والسياسي؟
إنها فرضية تستحق البحث، لا بوصفها حكماً مسبقاً على جماعة إثنية، بل باعتبارها مدخلاً لفهم آليات إنتاج الهوية السياسية داخل مجتمع تتقاطع فيه الانقسامات الإثنية والطبقية والدينية والأمنية.
ولعل المفارقة الأعمق أن الجماعة التي عانت من التمييز داخل المجتمع الإسرائيلي قد تجد لدى بعض شرائحها في الاندماج عبر الخطاب القومي المتشدد وسيلة لتجاوز ذلك التمييز، حتى لو كان هذا الخطاب موجهاً ضد جماعة أخرى تعيش بدورها تحت وطأة التمييز والاقتلاع.
وهنا يصبح السؤال أبعد من صناديق الاقتراع: هل يحتاج بعض الأفراد إلى إثبات انتمائهم إلى الجماعة المهيمنة عبر تبني أكثر مواقفها تشدداً؟










