عاجل
‏"التايمز": إيران توزع أقراص يوديد البوتاسيوم بالقرب من المنشآت النووية من ضمن إجراءات احترازية استعدادا لحرب محتملةمسؤول إيراني رفيع لصحيفة "تلغراف": تجري إيران وروسيا مفاوضات بشأن تزويد إيران بمنظومات الدفاع الجوي الروسية من طراز S-400يديعوت أحرونوت: إسرائيل تهدف لإسقاط النظام في إيران وليس فقط تحسين شروط التفاوضيديعوت أحرونوت: أميركا تخطط لعملية مكثفة وسريعة ضد إيران للتوصل لاتفاق نووي بشروط أفضليديعوت أحرونوت: المستوى العسكري يرجح تغير الوضع بشأن إيران بانتظار الحسم في واشنطنيديعوت أحرونوت: الجيش الإسرائيلي جهّز خطةً هجوميّةً ضد حــزب الله في حال انخراطه بالحرب"بلومبرغ": واشنطن وطهران تقتربان من اختراق محتمل لإنهاء الحربالسلطات التشيكية: الرحلات المغادرة تقلع من براغ بعد إخضاعها للفحص ولم يُعثر على أي متفجرات‏"التايمز": إيران توزع أقراص يوديد البوتاسيوم بالقرب من المنشآت النووية من ضمن إجراءات احترازية استعدادا لحرب محتملةمسؤول إيراني رفيع لصحيفة "تلغراف": تجري إيران وروسيا مفاوضات بشأن تزويد إيران بمنظومات الدفاع الجوي الروسية من طراز S-400يديعوت أحرونوت: إسرائيل تهدف لإسقاط النظام في إيران وليس فقط تحسين شروط التفاوضيديعوت أحرونوت: أميركا تخطط لعملية مكثفة وسريعة ضد إيران للتوصل لاتفاق نووي بشروط أفضليديعوت أحرونوت: المستوى العسكري يرجح تغير الوضع بشأن إيران بانتظار الحسم في واشنطنيديعوت أحرونوت: الجيش الإسرائيلي جهّز خطةً هجوميّةً ضد حــزب الله في حال انخراطه بالحرب"بلومبرغ": واشنطن وطهران تقتربان من اختراق محتمل لإنهاء الحربالسلطات التشيكية: الرحلات المغادرة تقلع من براغ بعد إخضاعها للفحص ولم يُعثر على أي متفجرات
كتب عادل اسماعيل: أسطورة القوة الإيرانية وإعادة تشكيل الشرق الأوسط: هل انتهى زمن التخويف المزدوج؟

كتب عادل اسماعيل: أسطورة القوة الإيرانية وإعادة تشكيل الشرق الأوسط: هل انتهى زمن التخويف المزدوج؟

عادل اسماعيل
عادل اسماعيل
·9 د قراءة

من مضيق هرمز إلى تفكيك النفوذ الإقليمي، لا تُقاس نتائج الحروب بقدرة الدول على الصمود وحدها، بل بما تستطيع تحويله من صمود عسكري إلى مكاسب سياسية واقتصادية مستدامة.

من ينصت إلى كثير من التحليلات العربية والأوروبية التي تتناول الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، قد يخرج بانطباع مفاده أن طهران تحولت إلى قوة عظمى، وأنها استطاعت إفشال الإرادة الأميركية والإسرائيلية، والحفاظ على نفوذها الإقليمي، بل توظيف مضيق هرمز وتوسيع نطاق المواجهة لفرض معادلة جديدة على المنطقة. ويُقدَّم ذلك، في بعض الخطابات، بوصفه انتصارًا لـ«العبقرية الاستراتيجية الفارسية» وحنكة القيادة الإيرانية.

غير أن هذا الاستنتاج يخلط بين القدرة على إطالة الحرب والقدرة على الانتصار فيها، وبين امتلاك أدوات التعطيل وامتلاك شروط الهيمنة. فإيران قد تنجح في رفع كلفة الحرب على خصومها، وتهديد الملاحة والطاقة، وتوسيع ساحات المواجهة؛ لكن هل يكفي ذلك لتصبح قوة عظمى؟ وهل يعني تعذّر إخضاعها عسكريًا أنها نجحت في فرض نظام إقليمي يخضع لإرادتها؟ هنا ينبغي أن يبدأ التحليل، لا أن ينتهي.

أولًا: من يربح الحرب، ومن يعيد تشكيل النظام الإقليمي؟

لا يمكن فهم المواجهة الراهنة بمعزل عن التحولات التي أعقبت الحرب الأميركية في أفغانستان. فقد أظهرت التجربة الأميركية أن الانتصار العسكري لا يضمن بناء نظام سياسي مستقر، وأن الحروب الطويلة قد تستنزف القوة التي تخوضها، وتفتح في الوقت نفسه مساحات لمنافسين دوليين، وفي مقدمتهم روسيا والصين.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بوصفها محاولة لإعادة النظر في بعض مرتكزات السياسة الأميركية، ولا سيما إدارة الأزمات الإقليمية من خلال موازنة الخصوم بعضهم ببعض، بدل تحمّل أعباء المواجهة المباشرة وحدها. فالتخويف المتبادل من إيران وإسرائيل أتاح لواشنطن، لعقود، أن تحتفظ بدور الحكم والضامن الأمني في الشرق الأوسط، وأن تجعل دول المنطقة تستند إلى مظلتها في مواجهة أخطار بعضها الآخر.

لكن هذه المعادلة تحمل تناقضًا: فكلما تضخم نفوذ القوى الإقليمية التي تستثمر فيها واشنطن، ازدادت قدرتها على ابتزازها أو جرّها إلى مواجهات لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الأميركية. ومن ثم، قد يكون الهدف الاستراتيجي الأبعد هو تقليص قدرة الأطراف الإقليمية على فرض أجنداتها المستقلة، وإعادة بناء شبكة العلاقات الأمنية والاقتصادية على نحو يجعل الولايات المتحدة صاحبة القرار النهائي.

لا يعني ذلك أن واشنطن تملك خطة مكتملة أو أن كل تطور يجري وفق إرادتها؛ بل إن المقصود أن نتائج الحرب ينبغي أن تُقرأ أيضًا من زاوية ما إذا كانت ستعيد توزيع أوراق القوة، وتقلّص هامش استقلال القرار لدى إيران وإسرائيل، أم ستمنحهما مزيدًا من القدرة على تعطيل النظام الإقليمي.

ثانيًا: مضيق هرمز، سلاح التعطيل لا شهادة العظمة

كشفت المواجهة حول مضيق هرمز أن الجغرافيا قد تتحول إلى سلاح استراتيجي بالغ التأثير. فالمضيق ليس مجرد ممر بحري، بل عقدة تتقاطع عندها مصالح الطاقة والتجارة والأمن العالمي. واستطاعة إيران تهديد الملاحة فيه تمنحها ورقة ضغط لا يمكن الاستهانة بها، حتى في مواجهة قوى تتفوق عليها عسكريًا.

غير أن امتلاك ورقة ضغط لا يعني امتلاك القدرة على تحويلها إلى نظام دائم للهيمنة. فإغلاق الممرات أو تهديد السفن يفرض كلفة على الخصوم، لكنه يفرضها كذلك على الاقتصاد الإيراني، وعلى الدول العربية التي ترتبط مصالحها بالتصدير والطاقة والتجارة. كما أنه يدفع القوى الكبرى والدول الإقليمية إلى البحث عن طرق بديلة، وإعادة النظر في ترتيباتها الأمنية، وتعزيز قدراتها البحرية.

وهكذا، فإن نجاح إيران في تدويل الأزمة قد يتحول إلى نجاح تكتيكي قصير الأمد، فيما تتجه نتائجه الاستراتيجية إلى عكس ما أرادته طهران، إذا انتهى إلى تقليص نفوذها، وتشديد عزلتها، وتوسيع التحالفات الرامية إلى الحد من قدرتها على استخدام الجغرافيا سلاحًا سياسيًا.

والأهم أن الحرب لا تُحسم فقط بعدد الصواريخ التي تُطلق، أو بحجم الأضرار التي تلحق بالخصم، بل بقدرة كل طرف على تحمّل الكلفة، وحماية اقتصاده، وإعادة بناء قوته، وتحويل النتائج العسكرية إلى ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار.

ثالثًا: «طوفان الأقصى» وسقوط احتكار الرواية

أحدثت حرب غزة، التي أعقبت «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر 2023، تحولات عميقة في صورة إسرائيل ومكانتها الأخلاقية والسياسية لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. فقد اتسعت الانتقادات الموجهة إلى سياساتها العسكرية، وازدادت المطالبات بمحاسبتها على الانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين، وبرزت فجوة متنامية بين مواقف الحكومات الغربية ومواقف قطاعات من مجتمعاتها.

لكن من الضروري التمييز بين تراجع القدرة الإسرائيلية على احتكار السردية السياسية والأخلاقية، وبين انهيار قدرتها العسكرية أو زوال شرعيتها الدولية بصورة نهائية. فالرواية الإسرائيلية لم تعد بمنأى عن المساءلة، لكن إسرائيل لا تزال تمتلك أدوات عسكرية ودبلوماسية وتحالفات مؤثرة.

والتحول الأعمق هنا هو أن القوة العسكرية لم تعد تضمن السيطرة على المجال الرمزي والإعلامي. فالمجازر والدمار ومعاناة المدنيين الفلسطينيين جعلت السردية الإسرائيلية تواجه اختبارًا غير مسبوق في أجزاء واسعة من العالم، وأضعفت قدرتها على تحويل كل نقد لسياساتها إلى اتهام تلقائي بمعاداة السامية. وفي المقابل، تظل مكافحة معاداة السامية ضرورة أخلاقية، لا يجوز استخدامها لتبرير الاحتلال أو تحصين أي دولة من النقد.

أما التحولات السورية، وما رافقها من تراجع نفوذ قوى إيرانية وحلفائها، فقد فتحت بدورها بابًا لإعادة ترتيب موازين القوى. غير أن انهيار النفوذ أو تقلصه في ساحة معينة لا يعني تلقائيًا انتقال السيطرة الكاملة إلى طرف آخر؛ إذ قد تنشأ فراغات استراتيجية تتنافس عليها قوى إقليمية ودولية متعددة.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إيران قد خسرت بعض أدوات نفوذها أو احتفظت ببعضها، بل ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تفكيك منظومة الوكلاء المسلحين، أم نحو إعادة توزيع أدوارهم ضمن توازنات جديدة.

رابعًا: من التخويف المزدوج إلى ترتيبات إقليمية جديدة

إذا كان التخويف المتبادل من إيران وإسرائيل قد شكّل أحد مرتكزات النظام الإقليمي السابق، فإن استمرار الحرب قد يدفع دول الخليج إلى البحث عن صيغة أمنية تقلل اعتمادها على التوازنات المفروضة من الخارج، وتمنحها قدرة أكبر على حماية مصالحها.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى أي تقارب عربي ـ إسلامي، أو إلى تنسيق أمني وسياسي يضم السعودية وتركيا وباكستان ودولًا أخرى، بوصفه احتمالًا لإعادة بناء التوازن الإقليمي. لكن قيام حلف فعلي، أو نجاحه في إنهاء النفوذ الإيراني، ليسا أمرين محسومين؛ فهذه الدول تختلف في أولوياتها ومصالحها، كما أن قدرتها على التعاون تتوقف على طبيعة التهديدات والضمانات المتبادلة.

إن أي ترتيب إقليمي مستدام ينبغي ألا يستبدل هيمنة إيرانية بهيمنة إسرائيلية، أو يستبدل التبعية لواشنطن بتبعية لقوة أخرى. المطلوب هو بناء نظام يستند إلى سيادة الدول، واحترام الحدود، واحتكار المؤسسات الشرعية للسلاح، ومنع الجماعات المسلحة من احتجاز قرار الحرب والسلم، وإخضاع العلاقات الخارجية للمصلحة الوطنية والقانون.

ومن هنا، لا تكون نهاية التخويف المزدوج انتصارًا لطرف على آخر فحسب، بل فرصة للتحرر من منطق الوصاية المتبادلة الذي جعل أمن شعوب المنطقة رهينة صراعات القوى الإقليمية.

خامسًا: روسيا والصين وحدود القوة العسكرية

لا يمكن فصل الحرب عن التنافس الأميركي ـ الصيني، ولا عن محاولات روسيا استعادة مكانتها الدولية. فموسكو وبكين تنظران إلى إضعاف الهيمنة الأميركية بوصفه فرصة لتوسيع هامش حركتهما، وقد تقدمان لطهران أشكالًا مختلفة من الدعم، من التعاون التقني والعسكري إلى التنسيق السياسي والاقتصادي.

لكن التعاون بين هذه القوى لا يعني قيام تحالف متماسك لا تحدّه المصالح المتعارضة. فالصين، على وجه الخصوص، ترتبط بالاقتصاد العالمي وشبكات التجارة والطاقة ارتباطًا يجعلها أكثر حذرًا من الانزلاق إلى مواجهة شاملة تهدد نموها ومصالحها. وروسيا، رغم امتلاكها ترسانة نووية وقدرات عسكرية كبيرة، تواجه قيودًا اقتصادية وديموغرافية وبنيوية تحد من قدرتها على تحويل القوة العسكرية إلى تفوق شامل ومستدام.

وهنا تبرز مغالطة شائعة في قراءة القوة الدولية: الخلط بين امتلاك السلاح وامتلاك شروط القوة. فالقوة العظمى ليست مجرد دولة تستطيع إلحاق أضرار جسيمة بخصومها، بل دولة تمتلك اقتصادًا منتجًا، وقاعدة تكنولوجية متقدمة، وقدرة على الابتكار، وسكانًا ومؤسسات تسمح لها بتجديد مواردها، وشبكة تحالفات تمنحها نفوذًا يتجاوز حدودها.

ولا يجوز، في المقابل، التقليل من الصين لمجرد أنها لا تضاهي الولايات المتحدة في كل مؤشرات القوة؛ فهي منافس اقتصادي وتكنولوجي كبير، وتملك أدوات تأثير لا يمكن اختزالها في ميزان عسكري مباشر. كذلك، فإن الحديث عن إفلاس روسيا أو استحالة أي مشروع دولي بديل للدولار ينطوي على مبالغة لا تخدم التحليل. الأدق هو القول إن العقوبات والحروب والاختلالات البنيوية تفرض قيودًا على قدرة موسكو وطهران، فيما تواجه بكين تحدياتها الخاصة في الاقتصاد والتجارة والأمن.

أما الدولار، فاستمرار هيمنته لا يستند إلى القوة العسكرية وحدها، بل إلى عمق الأسواق المالية الأميركية، والثقة النسبية بالمؤسسات، وشبكات التجارة والتمويل العالمية. لذلك، لا يسقط الدولار بمجرد رغبة خصوم واشنطن في إسقاطه، ولا يستمر إلى الأبد لمجرد أن الولايات المتحدة ترغب في ذلك؛ إنما يتوقف مستقبله على توازن معقد بين الاقتصاد والمؤسسات والبدائل المتاحة.

سادسًا: بين كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية

يمكن الاستعانة بالتجربتين الكوريتين لتوضيح الفارق بين مسارين متعارضين في بناء القوة. فقد اتجهت كوريا الجنوبية إلى الاستثمار في الصناعة والتكنولوجيا والتجارة، وربطت أمنها بتحالفات دولية، واستطاعت تحويل قدراتها الاقتصادية إلى نفوذ عالمي. أما كوريا الشمالية، فقد جعلت الردع العسكري محورًا أساسيًا لاستراتيجية بقائها، على حساب قطاعات واسعة من التنمية ورفاه المجتمع.

ليس المقصود أن التجربتين قابلتان للاستنساخ في الشرق الأوسط، أو أن ظروفهما التاريخية متطابقة مع ظروف إيران وإسرائيل. لكن المقارنة تكشف حقيقة جوهرية: لا يمكن للسلاح وحده أن يبني دولة مزدهرة، ولا يكفي الردع العسكري لتعويض ضعف الاقتصاد أو تآكل الشرعية السياسية.

وإذا اختارت إيران وإسرائيل مواصلة سباق التسلح المفتوح، وتحويل المجتمعات إلى خزانات بشرية ومالية للحروب، فقد تجدان نفسيهما في حلقة استنزاف طويلة، تتزايد فيها النفقات العسكرية وتتراجع فيها فرص التنمية والاستقرار. ولا يعني ذلك تساوي مسؤوليات الطرفين أو تماثل ظروفهما، بل يعني أن منطق عسكرة الدولة يحمل مخاطر بنيوية على المجتمعات، مهما اختلفت الشعارات التي تبرره.

سابعًا: منطق «الشعب المختار» ومحنة الإنسانية

في المستوى الأعمق، تكشف هذه الحروب أزمة سياسية وأخلاقية تتجاوز التنافس على الأراضي والممرات البحرية. فحين تتحول الدولة إلى مشروع مقدس، ويُقدَّم شعب بعينه باعتباره صاحب امتياز تاريخي أو إلهي يعلو على حقوق الآخرين، يصبح من السهل تبرير إخضاع الشعوب، وإهدار حرياتها، وتحويل الإنسان إلى أداة في مشروع السلطة.

وقد تتخذ هذه النزعة أشكالًا دينية أو قومية أو أيديولوجية مختلفة، ولا يصح اختزالها في شعب أو دين أو مذهب. فالمشكلة ليست في اليهودية أو الإسلام أو أي تقليد ديني في ذاته، بل في توظيف المقدس لتأسيس امتياز سياسي مطلق، أو منح السلطة حصانة من النقد والمساءلة.

ومن هذا المنظور، يمكن نقد الخطابات الصهيونية التي توظف فكرة الاختيار الإلهي لتبرير السيطرة على الفلسطينيين، كما يمكن نقد النزعات الإمبراطورية التي تستدعي الإرث الصفوي أو الهوية المذهبية لتبرير إخضاع دول وشعوب المنطقة. لكن المقارنة لا تعني تطابق المشروعين في التاريخ أو البنية أو الوسائل، ولا تبرر وضع الشعوب كلها في سلة واحدة بسبب سياسات حكوماتها.

إن الخطر الحقيقي هو عودة السياسة إلى منطق الامتياز المقدس، حيث لا تعود حقوق الإنسان قاعدة مشتركة، بل منحة تمنحها القوة لمن تشاء وتحجبها عمن تشاء. وفي مواجهة هذا المنطق، ينبغي التمسك بمبدأ بسيط: لا شعب فوق القانون، ولا دولة فوق المساءلة، ولا عقيدة تمنح أصحابها حق السيطرة على الآخرين.

خاتمة: القوة التي لا تستطيع بناء الحياة

قد تنجح إيران في الصمود، وقد تلحق الولايات المتحدة وإسرائيل بها أضرارًا عسكرية كبيرة، وقد تعيد روسيا والصين حساباتهما تبعًا لما تفرزه الحرب من فرص ومخاطر. لكن هذه النتائج، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على مستقبل النظام الدولي أو على موقع كل طرف فيه.

المعيار الحاسم هو ما إذا كانت الحرب ستؤدي إلى نظام إقليمي أكثر استقلالًا وعدالة، أم ستعيد إنتاج الهيمنة بأسماء جديدة؛ وما إذا كانت ستضع حدًا لسلطة الميليشيات واحتكار القرار خارج مؤسسات الدولة، أم ستفتح المجال أمام دورات جديدة من العنف؛ وما إذا كانت دول المنطقة ستستثمر مواردها في الإنسان والتنمية، أم ستواصل استنزافها في سباق تسلح لا ينتهي.

إن الرهان الأميركي على إضعاف إيران قد يحد من نفوذها، لكنه لا يضمن إنهاء التنافس الصيني أو إخضاع روسيا، كما أن قدرة طهران على تعطيل الملاحة واستنزاف خصومها لا تجعلها قوة عظمى. فبين القوة العسكرية والقوة التاريخية مسافة لا يقطعها السلاح وحده.

والخلاصة أن العالم لا يتجه بالضرورة إلى انتصار أميركي نهائي، ولا إلى سقوط وشيك للهيمنة الأميركية، ولا إلى قيام إمبراطورية إيرانية أو صينية بديلة. ما نشهده هو صراع على قواعد النظام الدولي، تتداخل فيه القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية مع الشرعية السياسية والقدرة على بناء التحالفات.

وفي هذا الصراع، لا يكون المنتصر الحقيقي من يملك القدرة على تهديد العالم بإشعال الحروب، بل من يستطيع بناء شروط السلام، وحماية استقلال الدول، وصون كرامة الإنسان. أما القوة التي تعجز عن تحويل مواردها إلى حياة أفضل لشعوبها، فلا تعدو أن تكون قوة استنزاف، مهما ارتفعت شعاراتها وعظمت ترسانتها.