تحت سطح المشهد الأمني في لبنان، تتحرك أسئلة أكبر من خبر توقيف شبكة أو ملاحقة مجموعة، فكل معلومة من هذا النوع تفتح باباً على مسار أوسع، يرتبط بحركة التنظيمات المتطرفة، طرق التمويل، الحدود، والسجون، وما إذا كانت بعض الخلايا تحاول إعادة بناء نفسها في بيئة إقليمية مضطربة، وفي هذا السياق، ترددت معلومات عن تمكن الأجهزة الأمنية اللبنانية من توقيف شبكة يُشتبه في صلتها بتنظيم داعش، مع حديث عن وجود تنسيق مع سجناء من داخل سجن القبة في طرابلس، وهي معطيات لا تزال تحتاج إلى تثبيت رسمي وقضائي واضح.
وبحسب ما جرى تداوله، بدأت خيوط القضية من حادثة سرقة مبلغ يقارب 400 ألف دولار أميركي من خزنة أحد الآباء، قبل أن يتم تهريب الأموال إلى الأراضي السورية وتسليمها، وفق الرواية المتداولة، إلى قيادات مرتبطة بتنظيم داعش، بهدف استخدامها في تمويل أعمال إرهابية، وإذا صحت هذه المعطيات، فإن القضية تتجاوز جريمة سرقة مالية إلى ملف أمني شديد الحساسية، كون المال يشكل أحد الشرايين الأساسية التي تحتاج إليها التنظيمات المتطرفة للحفاظ على قدرتها على الحركة والتواصل وتأمين اللوجستيات.
وفي متابعة أمنية أجراها موقع "الحقيقة"، يجري التدقيق في حقيقة ما حصل، وسط معلومات تشير إلى ورود أسماء مرتبطة بالتنظيم، من بينها شخص قيل إنه حفيد أبو بكر البغدادي، مع تأكيد أن هذه المعلومات تحتاج إلى تدقيق مستقل قبل اعتمادها كوقائع ثابتة، في وقت تشير فيه قراءة أمنية إلى أن تنظيم داعش يواجه ضغوطاً كبيرة في سوريا، وقد خسر خلال السنوات الماضية جزءاً واسعاً من قدرته على التحرك العلني وإدارة الخلايا، الأمر الذي يدفع بعض عناصره إلى البحث عن مساحات جديدة للمناورة والاختباء.
ومن هذه الزاوية، ترى مصادر دينية إسلامية أن ما يجري في بعض المناطق السورية يرتبط بعملية مطاردة واسعة لخلايا داعش، خصوصاً مع انتقال السلطة في دمشق إلى قيادة تمتلك خبرة طويلة في القتال ضد التنظيمات الجهادية، بحكم تجربتها السابقة في هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة، ووفق هذا التقييم، فإن المواجهات السابقة مع داعش أتاحت للقيادة السورية معرفة دقيقة بأساليب التنظيم وطرق عمله، وهو ما ساهم، بحسب هذه المصادر، في تفكيك خلايا وضرب شبكات كانت تنشط في مناطق مختلفة، الأمر الذي دفع مجموعات من عناصر التنظيم إلى محاولة تغيير أماكن انتشارها والبحث عن طرق للهروب.
وتتحدث معلومات موقعنا عن تفكيك ما يقارب 170 عنصراً من آخر الخلايا المرتبطة بداعش في منطقة بادية الشام، وهي منطقة لطالما شكلت مساحة مناسبة للاختباء والتحرك، نظراً لطبيعتها الجغرافية واتساعها ما يجعلها واحدة من أبرز البؤر التي تستدعي المتابعة الأمنية، خصوصاً مع احتمال انتقال بعض العناصر أو شبكات الدعم إلى مناطق أخرى، وفي مقدمها الحدود السورية اللبنانية.
وفي هذا الإطار، تشير المعلومات الأمنية إلى أن القيادة السورية تتشدد في منع انتقال عناصر داعش من الأراضي السورية باتجاه لبنان، كما تعمل على ضبط حركة الأسلحة وشبكات التهريب عبر الحدود لصالح حزب الله ، فيما يبقى الجانب اللبناني أمام تحديات مختلفة، نتيجة هشاشة الحدود وتداخل الملفات الأمنية والسياسية.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة ملفاً حساساً يتعلق بقدرة التنظيمات المتطرفة على استغلال الثغرات الأمنية، خصوصاً في البيئات التي تعاني من ضعف الرقابة أو الفوضى أو الانقسام السياسي، وقد شهد لبنان في مراحل سابقة قضايا أمنية كبرى ارتبطت بالتنظيمات المتطرفة، من بينها ملف فتح الإسلام في مخيم نهر البارد، وهو ما جعل أي حديث عن عودة نشاط الخلايا المتطرفة يثير مخاوف جدية لدى الأجهزة الأمنية والرأي العام.
أما في الجانب المالي من القضية، فإن الحديث عن سرقة 400 ألف دولار بهدف تمويل نشاط إرهابي يطرح مسألة شديدة الخطورة تتعلق بآليات التمويل التي تعتمدها التنظيمات المتطرفة، إذ سبق أن لجأت داعش إلى إصدار فتاوى داخلية تبرر الاستيلاء على أموال أشخاص تعتبرهم خارج دائرتها العقائدية، وفي بعض الحالات، جرى تبرير سرقة أموال الأقارب أو حتى أبناء البيئة السنيّة نفسها تحت ذرائع دينية زائفة، وهي ممارسات عرفتها تجارب سابقة مرتبطة بخلايا متطرفة في مناطق عدة، ومنها طرابلس، حيث ظهرت في مراحل سابقة محاولات لاستغلال الفقر والتهميش والانقسامات الاجتماعية لتأمين المال والموارد.
هنا تحديداً تكمن خطورة الملف، فالمسألة لا تتعلق فقط بشاب سرق أموالاً من منزل عائلته،وإنما باحتمال وجود شبكة تستفيد من المال المسروق وتحوله إلى مورد لتمويل نشاط إرهابي، وهذا النوع من الجرائم يفرض على الأجهزة الأمنية والقضائية تتبع مسار الأموال من لحظة خروجها من مصدرها وصولاً إلى الجهة التي تسلمتها، لأن تفكيك الشبكة المالية قد يكون أحياناً أكثر أهمية من توقيف المنفذين على الأرض.










