لم يكن أحد يتخيّل أن ينتهي المطاف بمحورٍ أراد تغيير وجه الشرق الأوسط إلى مشهدٍ يتقدّم فيه عبد الملك الحوثي على مجتبى خامنئي، ويصبح صوت جبال صعدة أعلى من صوت طهران. إنها سخرية التاريخ حين يتحوّل محور الممانعة إلى محور الهزالة والضعف، وتصبح "وحدة الساحات" عنوانًا لتوزيع الخراب بدلًا من صناعة الانتصارات.
ومما لا شك فيه أن عبد الملك الحوثي رجل استثنائي، فهو انتحاري بارع، يمتلك جميع المؤهلات لقيادة ما تبقّى من أذرع إيران: انتماء عربي يقترب من الصفر، إيمان شبه معدوم بالدولة اليمنية السيادية، استرخاص لدماء الشعب، وقدرة عجيبة على تحويل الانتحار الجماعي إلى عقيدة حسينية، مع أن هذه القراءة لا تمثّل أصلًا فقهيًا جامعًا في المذهب الشيعي. وفوق ذلك كله، عقول عمياء مستعدة للتصفيق كلما ارتفع منسوب الموت. وهكذا يصبح الحوثي امتدادًا لمن سبقوه من قادة المحور؛ فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر الساعة.
مجتبى يوزّع الأدوار… والحوثي ينفّذ!
توقفت طويلًا عند الكلام المنسوب إلى مجتبى خامنئي، أو إلى من يحكم باسمه، بشأن ضرورة "وحدة الساحات" في أي حرب مقبلة ضد إيران. والمعنى واضح: إذا تعرّضت طهران للخطر، فليحترق جنوب لبنان، ولتُدمّر مدنه ويُهجّر أهله، وليشتعل العراق واليمن، ما دام ذلك يحمي النظام الإيراني.
بأي حق يُطلب من اللبناني واليمني والعراقي الموت دفاعًا عن دولة أخرى؟ وأي مقاومة تلك التي تجعل قرار الحرب في طهران، فيما المقابر تُفتح في بيروت وصنعاء وبغداد؟
ترامب وطهران… من يباغت الآخر؟
تدخل المنطقة مرحلة بالغة الخطورة مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية. فاحتمال توجيه ترامب ضربة واسعة إلى إيران خلال الأيام المحيطة بالاقتراع يبقى واردًا، خصوصًا في ظل التحركات والحشود العسكرية الأميركية التي تعزز مخاوف المواجهة.
قد تمتلك إيران القدرة على إطالة أمد الحرب الثالثة، لكنها تدرك أن كلفتها هذه المرة قد تكون وجودية. فما تخشاه طهران ليس القصف بحد ذاته، بل انهيار بنيتها العسكرية والأمنية، وسقوط النظام الذي تحميه تلك البنية.
ولذلك، قد تلجأ إلى سلاح المباغتة، فتوجّه ضربة مفاجئة عشية الانتخابات الأميركية، مباشرة أو عبر أذرعها، في محاولة لخلط أوراق ترامب. غير أن هذه المقامرة قد تمنحه الذريعة لتوسيع الحرب بدلًا من ردعه.
أما الرهان الإيراني على خسارة ترامب الانتخابات النصفية، فلن يكون ضمانة لوقف الحرب. فالكونغرس يملك صلاحيات مؤثرة، لكنه لا يستطيع تلقائيًا منع الرئيس من كل عمل عسكري. والحسابات الاستراتيجية الأميركية تتجاوز صناديق الاقتراع.
العامل الحاسم في الحرب المقبلة قد لا يكون من يربح الانتخابات، بل من يطلق الضربة المباغتة الأولى.
نتنياهو يبحث عن رأس النظام… ولبنان على لائحة الأهداف
في المقابل، تتصاعد شهية بنيامين نتنياهو إلى المبادرة العسكرية. فقد تحدث عوديد عيلام، المسؤول السابق في الموساد، عن إمكانية تنفيذ عملية استخباراتية مفاجئة ضد كبار قادة النظام الإيراني، شبيهة بعملية تفجير أجهزة «البيجر» التابعة لحزب الله، معتبرًا أن أربعة قادة عسكريين وأمنيين يمسكون فعليًا بمفاصل السلطة الإيرانية، بينما تؤدي القيادة السياسية دور الواجهة.
وفي السياق نفسه، نُقلت عن صحيفة "معاريف" الإسرائيلية تصورات عسكرية تشمل احتلال صور وصيدا والنبطية، وفرض حصار بحري على مرفأَي بيروت وطرابلس، إذا قرر حزب الله الدخول في حرب إسناد لإيران.
وهنا تكمن الكارثة: أن يمنح حزب الله إسرائيل ذريعة لحرب جديدة، لا دفاعًا عن لبنان، بل حمايةً لطهران. وعندها لن يكون السؤال كم صاروخًا يستطيع الحزب إطلاقه، بل كم مدينة لبنانية ستُدمّر، وكم عائلة ستُهجّر، وكم جيلًا سيحتاج الجنوب ليستعيد الحياة.
الزيدي والشرع في دمشق… ضربة سياسية للممر الإيراني
على الضفة الأخرى، حمل لقاء رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي بالرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق، في 28 تشرين الأول، دلالات سياسية تتجاوز التعاون الاقتصادي وأمن الحدود.
فرئيس حكومة عراقية ينتمي إلى البيئة السياسية الشيعية يلتقي رئيس سوريا الجديدة، في مشهد يمكن قراءته بوصفه تحديًا لمشروع مجتبى خامنئي، ورسالة بأن التقارب السني–الشيعي العربي قادر على حماية المشرق بعيدًا عن حسابات طهران.
إن نجاح الزيدي والشرع في بناء شراكة قائمة على السيادة والمصالح المشتركة قد يقطع الشريان السياسي الذي غذّى النفوذ الإيراني من طهران عبر بغداد ودمشق وصولًا إلى بيروت.
فالممر الذي استُخدم طويلًا لنقل السلاح والنفوذ يمكن أن يتحوّل إلى ممر للتجارة والطاقة والاستقرار. وهذا تحديدًا ما يصعّب على مجتبى إعادة إنتاج مشروعه القديم، أو إشعال العراق الجديد وسوريا الجديدة وصولًا إلى لبنان الجريح.
الحوثي… الجوكر الأخير على طاولة البوكر
وهنا نصل إلى أخطر أوراق طهران.
في لعبة البوكر الإيرانية، قد يكون عبد الملك الحوثي هو "الجوكر" الذي تحتفظ به القيادة الإيرانية للحظة الأخيرة. فالرجل الذي لم تستنزفه تمامًا حروب اليمن، ولا الضربات العسكرية، ولا المواجهات في البحر الأحمر، ما زال يمتلك القدرة على تهديد الملاحة في باب المندب، وزعزعة أمن الخليج، والتأثير في حركة التجارة وصولًا إلى قناة السويس.
والحوثي لا يحتاج إلى الانتصار عسكريًا كي يخدم إيران؛ يكفيه أن يفتح جبهة جديدة، ويشتّت القوات الأميركية والإسرائيلية، ويحوّل المواجهة من حرب على إيران إلى حرب إقليمية متعددة الساحات.
فهل يكون عبد الملك الحوثي صاحب قرار إشعال الحرب الثالثة؟ وهل ينطلق الصاروخ الأول من ميناء الحديدة باتجاه تل أبيب بدلًا من أن ينطلق من الأراضي الإيرانية؟
كل ذلك وارد، خصوصًا إذا شعرت طهران بأن الضربة المقبلة تستهدف بقاء نظامها. وقد يكون الحوثي الورقة التي تستخدمها لتوجيه الضربة الأولى، أو لتوسيع الحرب عندما تبدأ.
لكن المفارقة أن الرجل الذي يظن نفسه جوكر طهران قد يتحوّل إلى الورقة التي تحرق اليمن والمنطقة معًا.
لقد بدأ هذا المحور بشعار تحرير القدس، وانتهى به الأمر إلى البحث عمّن يحمي طهران. بدأ بوحدة الساحات، فإذا بالساحات تتوحد في الخراب، ورفع راية الموت في سبيل الكرامة، فإذا به يمنح الموت وحده حق الدخول إلى أوطاننا.
لبنان ليس خط الدفاع الأول عن إيران، والعراق ليس مخزنًا للحرس الثوري، واليمن ليس منصة صواريخ مستأجرة لخدمة حسابات الآخرين.
أما عبد الملك الحوثي ومجتبى خامنئي، فليعلما أن الشعوب ليست أوراقًا على طاولة بوكر، وأن الأوطان لا تُقامر بها لحماية الأنظمة.
فالتاريخ لن يذكر من أطلق الصاروخ الأول، بقدر ما سيذكر من أحرق وطنه ليحمي عرشًا في وطن آخر.











