في كل مرة يطل فيها نعيم قاسم، يحاول إقناع اللبنانيين بأنهم لم يروا ما عاشوه، وأن الخراب الذي أصاب وطنهم ليس نتيجة خيارات “حزب الله”، بل نتيجة مؤامرات الآخرين. لكن المشكلة أن الوقائع أقوى من الخطابات، والذاكرة اللبنانية لم تُمحَ بعد.
منذ سنوات، لم يخض “حزب الله” معركة واحدة من أجل الدولة اللبنانية، بل خاض حروبًا دفاعًا عن مشاريع خارج الحدود. قاتل في سوريا دفاعًا عن نظام سقط رغم كل ما قُدّم له من دماء لبنانية. وفتح جبهة الجنوب تحت عنوان “الإسناد”، فكانت النتيجة قرى مدمرة، وآلاف العائلات المهجرة، واقتصادًا يلفظ أنفاسه، فيما بقي لبنان يدفع وحده ثمن قرار لم تتخذه مؤسساته.
والأخطر أن أمين عام الحزب نفسه أسقط كل رواية “القرار الوطني المستقل”، عندما أقرّ بأن قرار الحرب ووقفها ارتبط بحسابات إيران. فكيف يتحدث عن السيادة، وهو يعترف بأن مصير اللبنانيين يُربط بقرار يصدر خارج لبنان؟
ثم يأتي ليحمّل الدولة المسؤولية. لكن أي دولة بقيت بعدما صادر “حزب الله” قرار السلم والحرب لعقود؟ وأي سيادة يتحدث عنها، فيما لبنان عُزل عن محيطه العربي، وخسر ثقة المجتمع الدولي، وتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟
والأكثر استفزازًا أن يتزامن هذا الخطاب مع ذكرى الرابع من آب. في يوم كان اللبنانيون ينتظرون كلمة تليق بضحايا انفجار مرفأ بيروت، تجاهل نعيم قاسم الجرح الأكبر في تاريخ لبنان الحديث، وكأن شيئًا لم يكن.
كان الأجدر به أن يطالب بكشف الحقيقة كاملة، وأن يجيب اللبنانيين لماذا تعثر التحقيق سنوات طويلة، ولماذا بقي القضاء يتعرض للضغوط. وكان الأجدر به أن يفسر واقعة دخول وفيق صفا إلى قصر العدل، من تهديد و وعيد للمحقق العدلي القاضي طارق البيطار، وهي الواقعة التي وثّقتها وسائل إعلام عدة وأصبحت رمزًا لكل ما قيل عن الضغوط التي أحاطت بالتحقيق.
لا يكفي أن تتحدث عن العدالة فيما يُتهم حزبك بتعطيلها، ولا يكفي أن تتحدث عن السيادة فيما قرار الحرب ليس بيد الدولة، ولا يكفي أن تتحدث عن الانتصارات فيما اللبنانيون يعدّون خسائرهم منذ سنوات.
الحقيقة التي يحاول نعيم قاسم الهروب منها بسيطة: كل مشروعٍ وضع مصلحة إيران فوق مصلحة لبنان انتهى بخسارة لبنان. وكل خطاب يحاول تجميل هذه الحقيقة لن يغيّرها، لأن الشعوب لا تقيس الإنجازات بالشعارات، بل بما بقي لها من وطن. واليوم، الوطن يطالب باستعادة دولته، لا باستعادة الخطابات نفسها التي أوصلته إلى هذا الانهيار. فاذهب يا نعيم، انت و حزبك الى جحيم اوهامك و لا تعد و اترك البلاد و العباد تحصي و تعد و تحلم بوطن، ليته يعود يوماً.









